top of page

التنمية المستدامة





هي التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون الإضرار بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها المستقبلية



بدأ تعبير التنمية المستدامة sustainable development بالتردد بكثرة منذ انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة أو ما يسمى بقمة الأرض في جوهانسبرج العاصمة التجارية لجنوب أفريقيا في السادس والعشرين من أغسطس 2002 حتى كاد أن يستهلك إعلاميا دون أن نرى له تطبيقات فعلية في معظم دول العالم الثالث.
والتنمية المستدامة بحسب التعريف الوارد في تقرير مفوضية الأمم المتحدة للبيئة والتنمية الصادر سنة 1987م هي (التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون الإضرار بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها المستقبلية التنمية المستدامة) فهي "مبدأ تنظيمي" يهدف إلى تحقيق أهداف التنمية البشرية مع تمكين الأنظمة الطبيعية من الاستمرارية في توفير الموارد اللازمة وصيانة النظام الإيكولوجي. وهو دعوة للعمل من جميع الدول - فقيرة وغنية ومتوسطة الدخل - لتعزيز الازدهار مع حماية الكوكب بحسب خطة التنمية المستدامة 2030، التي اعتمدتها كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2015، والتي توفر مخططًا مشتركًا للسلام والازدهار للناس والأرض التي يعيشون عليها، ما يعني ضرورة التوفيق بين حاجات المجتمعات الإنسانية الآنية على المستويين المحلي والعالمي ومتطلبات الحفاظ على البيئة، وما يعني أيضاً ضرورة تطوير طرق ومداخل جديدة لإدارة الموارد الطبيعية وتجنب الآثار الضارة للعولمة بالحفاظ على التنوع الأحيائي ومكافحة التلوث البيئي وتجنب تدمير الغطاء النباتي للغابات والصيد الجائر للأحياء البرية والبحربة وإهدار الثروات البحرية والمائية.
وقدّر عدد المشتركين في فعاليات مؤتمر جوهانسبرج والنشاطات الموازية له بستين ألفاً منهم مئة من رؤساء الدول ومئة من الممثلين الرسميين الاخرين للدول، ومثل الباقون المجموعات الرئيسية التي عرَّفتها الأجندة 21 (خطة العمل التي أقرها مؤتمر ريودي جانيرو أو ما عرف بقمة الأرض الأولى سنة 1992م) وهم ممثلو: الجمعيات النسائية، والسلطات المحلية، والمزارعون، وأعضاء جمعيات العلوم والتكنولوجيا، والشباب، ورجال الأعمال، والعمال، وممثلي المنظمات غير الحكومية. وفي ذلك المؤتمر اتفقت الحكومات المشاركة على ثلاث نتائج رئيسية أثناء اجتماعات اللجنة التحضيرية للقمة التي ترأسها الدكتور إميل سالم من إندونيسيا وهي:

أولاً: إعلان سياسي يتعهد فيه كافة رؤساء الدول وممثليها بالالتزام باتخاذ الخطوات اللازمة لجعل التنمية المستدامة حقيقة واقعة.

ثانياً: الموافقة على خطة تنفيذية مفصلة لمجموعة خطوات التحرك الضرورية في نواحي تنموية معينة.

ثالثاً: التزام الحكومات والهيئات المشاركة بمتطلبات الشراكة بنطاق واسع من النشاطات التي تقود للتنمية المستدامة على مختلف المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية. والحقيقة أن كافة النتائج المتوقعة للقمة التي تحقق الإجماع عليها في القمّة لم تكن جديدة ولكنها مجددة من الأجندة 21 أو ما عرف بـ (الأجندة الخضراء) التي لم تلتزم بها معظم الدول خاصة الصناعية منها لتتقادم ويتخطاها الزمن ويصبح من الضروري تجديدها، وهذا ما نجحت القمة في تحقيقه جزئياً لوجود خلافات كبيرة بشأن التنازلات التي كان يجب على الدول الصناعية أن تتقبلها في سبيل الحفاظ على البيئة.

ويمكن أن نجد مبررات لمواقف الدول الصناعية المتقدمة التي تبدو مخالفة – حتى الآن -للاتجاه العالمي العام نحو بيئة أنظف وظروف معيشية إنسانية أفضل من منطلق أن على حكوماتها أن توازن بين التزاماتها التنموية المحلية تجاه مواطنيها والتزاماتها الخارجية تجاه بقية دول العالم. فعلى سبيل المثال كانت ألمانيا من أكثر دول العالم التزاماً بمتطلبات الحفاظ على البيئة مطلع القرن الحالي حيث حظيت باحترام العالم أجمع لتمكنها من زيادة استخدامات الطاقة من مصادر متجددة بمقدار 20 في المائة ولكن ثمن ذلك كان باهظا بالنسبة لمستشارها "جيرهارد شرودر" الذي فقد فرصته بالفوز بفترة رئاسية جديدة في انتخابات 2005 بعد تمكن حزب الديمقراطيين المسيحيين المعارض بزعامة "أنجيلا ميركل" من هزيمة حزبه الديموقراطي الاجتماعي بسبب تبريده لوتيرة النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة كنتيجة لالتزام حكومته الاختياري بقدر كبير من متطلبات الحفاظ على البيئة. ولذلك لا يمكن أن نلوم أياً من زعماء الدول المتقدمة أو غيرها على عدم التحلي بنفس القدر من الجرأة والشجاعة التي تحلى بها شرودر في الالتزام الطوعي بالقدر الذي الزم نفسه به من مقررات قمة الأرض الأولى أو من "بروتوكولات كيوتو".

ولكن ما يدعو للعجب هو أن معظم الدول النامية التي تمثّل في مثل هذه المؤتمرات هي دول كانت وما زالت رغم استقلالها السياسي المعلن منذ عقود طويلة تعتمد في معيشة أبنائها على النشاطات الاقتصادية الريعية الزراعية والتعدينية في الغالب الأعم. والمعروف هو أن القيمة الاقتصادية المضافة لتلك النشاطات الريعية ضئيلة للغاية مقارنة بالقيمة المضافة للنشاطات الصناعية في الدول المتقدمة، وتبعاً لذلك كانت نتيجة اعتماد تلك الدول على تلك النشاطات الاقتصادية الريعية البدائية أو شبه البدائية تناقصاً مستمراً في النواتج الوطنية بمعدلات تقل كثيراً عن معدلات التزايد في السكان التي تميزت بها معظم تلك الدول النامية لأجيال عديدة، لتأتي تلك الدول النامية للمؤتمر وهي مثقلة بالديون لعشرات السنين القادمة، وليتحدث ممثلوها بكل صفاقة أمام المؤتمر عن التنمية المستدامة وعن منجزات بلادهم غير المسبوقة في سبيل تحقيقها.

والتساؤلات التي نطرحها هنا هي: كيف يمكن لدول مدينة أن تحقق التنمية المستدامة بمفهومها الذي يتحدث عنه خبراء التنمية في الأمم المتحدة؟ وكيف يمكن لمن أكل الأخضر واليابس وحمل الذمة الوطنية ديوناً تنوء بها الجبال وحمل مواطنيه ضرائب مباشرة وغير مباشرة تثقل كواهل الأفيال والجمال أن يحقق المعادلة الصعبة في استهلاك الموارد من أجل التنمية مع المحافظة عليها من أجل الأجيال القادمة؟ وكيف فات على خبراء الأمم المتحدة الذين حضروا للمؤتمر واشرفوا عليه أن تحقيق مثل هذه المعادلة الصعبة مستحيل بالنسبة لمعظم الدول التي حضرت المؤتمر؟ فالحفاظ على الغابات والغطاء النباتي يعني موت الملايين ممن يعيشون على هذه النشاطات إما جوعاً أو برداً، ومنع صيد الحيوانات والطيور يعني الجوع، وعدم كشط الغطاء النباتي لاستخراج المعادن رغم ما يخلفه من أهوار ودمار للبيئة يعني بالنسبة لبعض الدول عدم القيام بأي نشاطات اقتصادية أخرى، وعدم استخراج النفط أو حتى التقليل من استخراجه وبيعه خاماً للدول الصناعية يعني إعلان حرب حتى لو كان المقصود من وراء مثل ذلك الإجراء توفير بعض الموارد لتحقيق التنمية المستدامة للأجيال القادمة.

لقد كان الأولى بالأمم المتحدة التركيز على النظر في كيفية تخليص الدول الفقيرة والنامية من ديونها ومساعدتها على توظيف ما تبقى من مواردها إن كانت لديها موارد في نشاطات إنتاجية ذات مردودات اقتصادية واجتماعية وبيئية مباشرة وملموسة يحس المواطنون في تلك الدول بقيمتها ويستمتعون بخيراتها بدلاً من التركيز على إنشاء مزيد من(الشراكات) الدولية وفتح المزيد من أسواق تلك الدول البائسة أمام الشركات الصناعية متعددة الجنسية العملاقة لامتصاص المزيد من ثرواتها المستنفدة إن بقي فيها ثروات.

ولكن بقيت رغم ذلك تجربة السفر إلى بالي الجزيرة الإندونيسية الحالمة لمن حظي بعضوية اللجنة التحضيرية وإلى جوهانسبرج مدينة السحر والجمال الأفريقي ومن قبلها ريودي جانيرو مدينة الكرنفالات لمن حظي بعضوية الوفود الرسمية من ممثلي الدول النامية ذكرى جميلة وفرصة عمر سياحية مجانية خاصة في مثل تلك التوقيتات التي كانت بلادهم تعاني فيها الأمرين من حرارة الأجواء والعواصف الرملية والفيضانات المدمرة وسحب التلوث الداكنة.

ويبقى التساؤل الأزلي بدون إجابة: طالما أن معظم ممثلي الدول النامية يأتون من دول فقيرة ومدينة وليس لها فحل في العير ولا سيف في النفير، فلماذا يحضرون لمثل هذه المؤتمرات بوفود كبيرة باهظة التكاليف في سفرها وإقامتها الفاخرة وحفلاتها الرسمية الملونة. أما كان الأولى بتلك الوفود تصغير حجمها ليتناسب مع دورها لتوفير تلك المصاريف الباهظة وتحويلها نحو حسابات تسديد ديون بلادها؟

يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page