top of page

تجارب تنموية من الساحل الأفريقي وتركيا



الاستدانة ليست ضرورية للدول الفقيرة، وكذلك رصد الملايين في الدول الغنية، لتمكين الفقير من الكسب والعيش الكريم، فمن لا يملك شيئاً، أقل القليل يغنيه، فلا نستهين بهذا القليل



بوركينا فاسو

أليستا نانا امرأة من عدة نساء يكسبن قوت يومهن من شراء الأسماك من تجار الجملة ليقمن بإعادة بيعها بالتجزئة للمطاعم والمنازل في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو. ولكن حرارة الصيف التي تتراوح فيما بين 40 إلى 50 درجة مئوية كانت في الماضي تفسد عليهن أسماكهن بسرعة ما يضطرهن إلى التخلص منها بالبيع، قبل حلول الظلام، بأسعار تقل كثيراً عن أسعار الشراء خشية خسارة كل شيء. ولكنهن اليوم يحفظن أسماكهن في أربع ثلاجات تجميد وينقلنها في عشرين حافظة مبردة وما لا يبعنه اليوم لا يتخلصن منه بل يحتفظن به ليبعنه غداً.



موريتانيا

أما في موريتانيا البلد الصحراوي الذي لا تزيد فيه نسبة الأراضي الصالحة للزراعة عن واحد بالمائة ويفتقر إلى الموارد المالية الكافية فقد تم تدريب خمسين امرأة في العاصمة نواكشوط على تجفيف الأسماك بعد تزويدهن بمناضد التجفيف واشتريت لهن المعدات مثل الأحواض والسكاكين والمآزر والقفازات والملح. وقد انعكس عملهن ذاك إيجابياً على أوضاع أسرهن المعيشية وساهم في توفير البروتينات الرخيصة للمواطنين في المناطق الداخلية من البلاد


السنغال

وفي السنغال هناك مجموعة نسوية تتكون من 43 امرأة من قرية كابتكندا يقمن بزراعة حقل ينتج خمسة عشر طناً من الخضر وثلاثة أطنان من الموز والبابايا سنوياً بغرض يبعها لعمال المناجم في موقع قريب من القرية. وما كان لهذا المشروع أن يتم لولا توفر أربعة خزانات للمياه ومضختين لسحب مياه النهر باتجاه الحقل وتوفير البذور والأدوات والأسمدة والمبيدات الحشرية والخبرات الزراعية الفنية. وفي النيجر تم تحديد 140 أسرة من إقليم أيار على أنها الأشد حاجة بعد تدمير بيوتهم وتخريب حقولهم ونهب مواشيهم وتشردهم بسبب نشوب تمرد مسلح في مقاطعتهم لتقدم لهم رؤوس ماشية وتشترى لهم اللقاحات الواقية من الأمراض ومواد مكافحة الطفيليات بغرض توفير حد أدنى من المتطلبات الأساسية للبدء في عودتهم مجدداً إلى حياتهم وأنشطتهم الطبيعية المعتادة.


تركيا

وفي تركيا تم اختيار 29 امرأة من أشد النساء فقراً في منطقة ساهنغادي الجبلية التي تعتبر إحدى بؤر الفقر القليلة المتبقية في البلاد لتقدم لكل واحدة منهن أربع نعجات (جمع نعجة) مقابل أن يقمن برعايتها وزراعة حقل بالأعلاف لإطعامها والاستفادة من ألبانها بالبيع وانتاج المشتقات وانفاق العائد في تحسين أوضاع أسرهن المعيشية وتوفير المتطلبات اللازمة.


وما هذه الأمثلة سوى غيض من فيض مشاريع تنمية ريفية لم تتعد مبالغ تمويلها عدة آلاف من الدولارات قدمتها وتقدمها منظمة الأغذية والزراعة الدولية (اليونيسيف) وتمولها من خلال حملة التبرعات التي تعرف باسم تليفود Tele-food والتي هي عبارة عن حملة سنوية منظمة من البرامج الإذاعية والتلفزيونية والحفلات الموسيقية المتزامنة مع تاريخ إنشاء المنظمة الدولية الموافق للسادس عشر من أكتوبر 1945م. وتهدف الحملة التي بدأت سنة 1997م إلى مكافحة الجوع الذي يعاني منه أكثر من 800 مليون نسمة في جميع أنحاء العالم. وتقيم أكثر من 70 دولة احتفالات خاصة في نطاق الحملات السنوية المنظمة ويتابع برامجها التلفزيونية والإذاعية ما يزيد على 500 مليون نسمة. ويساند الحملة بجهودهم عدد كبير من المشاهير من الممثلين والمغنين والرياضيين منهم الممثلة الإيطالية صوفيا لورين والممثلة جينا لولو بريجيدا و الدكتورة ريتا ليفي الحائزة على جائزة نوبل في الطب واللاعب البرازيلي المعروف رونالدو والمغني التونسي لطفي بشناق وغيرهم كثيرون..


ورغم أن مجموع ما تم تحصيله من مبالغ كتبرعات لبرامج تيليفود لا يعتبر كبيراً بالمقاييس المتداولة فهو بحدود ستة ملايين دولار أمريكي فقط إلا أن طريقة استثماره جعلت البرنامج من أنجح برامج الإعانات وأكثرها فعالية في تحقيق أهدافها على المستوى الدولي. فالبرنامج لا ينفق من عائدات التبرعات أي دولار على الشؤون الإدارية أو المرتبات أو غيرها من أوجه الإنفاق ويعتمد في توفير الخبرات الفنية على العمل التطوعي ليتمكن من تخصيص كل دولار من أموال التبرعات لتمويل مشاريع صغيرة في الأرياف والمناطق النائية بحيث لا يزيد مبلغ التمويل الكلي لأي من تلك المشاريع عن 100 ألف دولار ويقدم للمهددين بالجوع من أشد الناس فقراً وهم في الغالب الأعم من النساء. ولا يقدم البرنامج إعاناته على سبيل الإحسان بل بغرض الإنتاج استناداً على المبدأ القائل (أعنه على أن ينتج طعامه بنفسه ليأكل من حصيلة إنتاجه مادام حياً بدلاً من أن تطعمه مرة واحدة فيجوع وقد يموت من الجوع غداً).


ويمتاز البرنامج بمرونة كافية في اتباع مداخل مختلفة للعمل الخيري لاحتواء كافة شرائح المجتمعات التي يعمل من خلالها واحترام خصوصياتها الفكرية والأخلاقية. وعلى سبيل المثال يمكن لمن لا يؤيد فكرة جمع التبرعات عن طريق الحفلات الغنائية أو العروض المسرحية أن يلجأ إلى أسلوب اللقاءات المفتوحة مع المشاهير من الرياضيين أو المفكرين أو كبار المسؤولين أو إقامة المآدب الخيرية لمن يحبون تناول الطعام أو التنازل عن دخل حدث ثقافي أو رياضي لمرة واحدة أو حضور أمسية ثقافية في بيت نجم من نجوم المجتمع أو عمل مزادات لكتب أو مقتنيات متبرع بها. ومن الأمثلة الجيدة لجمع التبرعات لمكافحة الجوع حفل العشاء الخيري الذي أقامه الرئيس التنزاني وعقيلته في منزلهما في الخامس والعشرين من نوفمبر 1997م والذي بثّت وقائعه في التلفزيون التنزاني مباشرة على الهواء.


والتساؤل الذي اطرحه الآن هو إلى متى ننتظر الحلول من الخارج أو من الحكومات لمشاكل الفقر والعوز التي يعاني منها العديد من سكان الأرياف في مختلف البلاد العربية والإسلامية. فبنك القرية (جرامين) الذي تحاول بعض الدول العربية والإسلامية نقل فكرته عن تجربة بنك الدكتور محمد يونس في بنجلاديش سبق ان نفذه الدكتور أحمد النجار في مصر منذ أكثر من ثلاثين عاماً ولم يلتفت إليه في وقته أحد بل حورب، وهاهي نفس الدول تتسابق اليوم على تنفيذ فكرة البنك بعدما تبنتها أمريكا. واليوم تتسابق نفس الدول أيضاً على الاشتراك في برنامج (تليفود) لتمويل مشروعات لمساندة أشد الناس فقراً وجوعاً في أريافها وأحياء مدنها الفقيرة رغم أن المبدأ الذي بنيت عليه الفكرة ليس جديداً علينا وإن استجدت الوسائل. أو ليس رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هو أول من أعطى فأساً للشاب القوي وأمره بالاحتطاب ليصون كرامته ويتعفف بدلاً من أن يتكفف الناس؟ أو ليست المملكة وغيرها من الدول العربية والإسلامية تطفح بالجمعيات الخيرية والشباب بل وحتى من كبار المسؤولين المتحمسين للعمل الخيري التطوعي؟ فما الذي يمنعنا إذاً من تصميم برامج تبرعات من هذا النوع لمهاجمة بؤر الفقر والمرض كما نهاجم مستنقعات بعوض الملاريا، وحمى الوادي، وصفار الكبد الوبائي، والكورونا، حتى لا ينام مسلم مريضاً أو جوعاناً، لأن صفة الإيمان تنتفي عمن ينام وجاره جوعان ولعل كل ما يحتاجه الجار ليشبع لا يزيد عن مجرد فأس ليحتطب..

يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page