أسباب الفقر بين النظرية الاقتصادية والمبادئ الأخلاقية
- Jun 15, 2023
- 4 min read
اعتماد النظريات الكلية في معالجة مسببات الفقر يتطلب إصلاحات هيكلية على المستوى الشامل تتعدى في مداها الأدوار الجزئية التي تضطلع بها وزارات الشؤون الاجتماعية
والجمعيات الخيرية متعددة الأغراض والأهداف

تلقيت رسالة مجهولة المصدر باللغة الانجليزية لباحث أمريكي بدا أنه مهتم بالفقر ومشكلاته. وبالبحث في الأسباب الكامنة خلف فقر الفقراء وغنى الأغنياء على المستوى العالمي ليتوصل في النهاية إلى أن الأسباب الرئيسية للفقر "أخلاقية لا اقتصادية" وأنها أسباب متراكمة على مدى السنين بفعل التعليم والثقافة. فقد لاحظ الباحث أن أغلبية المواطنين في الدول المتقدمة يتميزون بالتمسك بالأخلاق كمبدأ أساسي، إضافة إلى الصدق والاستقامة، والإحساس بالمسئولية، واحترام الأنظمة والقوانين، واحترام حقوق المواطنين الآخرين، وحب العمل، والسعي الحثيث للتوفير والاستثمار، والرغبة الأكيدة في الإنجاز المتميز، إضافة إلى الدقة في مراعاة المواعيد.
فهل يعني هذا أن المجتمعات في الدول النامية تفتقر في تعاملاتها اليومية سواء منها الاقتصادية أو غير الاقتصادية للقيم والمبادئ الأخلاقية التي تحكم العلاقات الاقتصادية والانسانية في الدول المتقدمة؟ وهل هذا الافتقار هو السبب الرئيس في تفاقم ظاهرة الفقر في تلك المجتمعات؟
والإجابة البسيطة على هذا التسؤل هي بالنفي، فالمجتمعات الإنسانية متشابهة في التعامل مع مسائل الفقر، بل انه يمكن الزعم بأن المجتمعات النامية اكثر تماسكاً وتراحماً في هذا الاتجاه ولا شأن للأخلاق والصدق والاستقامة، والإحساس بالمسئولية، واحترام الأنظمة والقوانين، واحترام حقوق المواطنين الآخرين، وحب العمل، والسعي الحثيث للتوفير والاستثمار، والرغبة الأكيدة في الإنجاز المتميز، إضافة إلى الدقة في مراعاة المواعيد بالفقر والغنى. ولذلك لا بد من البحث في اتجاهات أخرى.
وعلى حد علمنا فإن كافة النظريات الاقتصادية المفسرة للفقر تنقسم إلى مجموعتين رئيسيتين إحداهما تتعامل مع الفقر على المستوى الهيكلي أو الموروث Genetic في البناء الاقتصادي الكبير، والأخرى تتعامل معه على المستوى الجزئي أو مستوى الحالات cases. ولم يجمع الاقتصاديون قط على أن إحدى المجموعتين تفسر وجود الفقر أكثر من الأخرى. فالفقر الناجم عن مسببات هيكلية يفسر من خلال البحث في مجاميع الاقتصاد العام أو الكلي والخلل في الخطط العامة والسياسات التي تطبق لتنفيذها مثل الخلل في خطط التوظيف أو في سياسات تطبيقها أحياناً، وعدم كفاية الطلب الكلي أو الفعال في توظيف إمكانيات المجتمع عند مستويات مقنعة أحياناً، أو انخفاض الدخل الوطني الذي يتبعه انخفاض دخول الأفراد كما هو الحال في الدول الأقل نمواً. أما نظريات المستوى الجزئي أو الحالات فتنظر للفقر من منظور مختلف تماماً يبدأ من القاعدة أو من الأفراد وينتهي بعموم الاقتصاد، وذلك بتجميع كافة مسببات الفقر على المستوى الفردي للمواطنين كقلة المعرفة والمهارات، وطبيعة العمل، والوقت، وثقافة الفقر، والتمييز الجنسي أو العنصري أو المناطقي.
ولهذا، فإن أصحاب النظريات الشمولية أو الهيكلية يرون أن الفقر ينتج من مجموعة واحدة من القوى (مشاكل اقتصادية عامة وشاملة) ومنها يتوزع على الأفراد، وبالتالي لا يمكن حل مشكلات الفقر ما لم يتم إصلاح الخلل في المجاميع الاقتصادية الكلية. في حين أن أصحاب النظريات الجزئية يرون أن حل مشكلات الفقر يتم من خلال حل مشكلات الأفراد والتعامل مع المسببات الجزئية للفقر من منطلق أن مجموع المشكلات الفردية يشكل في النهاية مجموع المشكلات الكلية والتعامل مع الجزئيات يصب في النهاية في مصلحة الحل الشامل.
ولكن لماذا يبحث الاقتصاديون في الفروق بين مجموعتي النظريات المفسرة لوجود الفقر؟ ذلك أن اعتماد أحد المدخلين النظريين يترتب عليه تبعات تنظيمية وتوجيه للموارد في اتجاهات مختلفة قد تبدو لأول وهلة متناقضة. ولتوضيح ذلك لنفترض أن أحد أسباب الفقر في بلد من البلدان هو (التمييز العنصري) وهو سبب (أخلاقي) فهل سينخفض مستوى الفقر في ذلك البلد إذا ما انخفض مستوى التمييز؟ الإجابة ربما، بحسب النظريات الجزئية أو نظريات الحالات ولكن الإجابة لا بحسب النظريات الشمولية أو الكلية. ولنفترض أيضاً أن أننا طورنا مهارات الفقراء ومحونا أميتهم وعلمناهم فهل سينخفض مستوى الفقر؟ والإجابة أيضاً ربما، بحسب النظريات الجزئية ولكنها أيضاً لا بحسب النظريات الشمولية بل أن الفقر سيعاد توزيعه حسب هذه النظريات ما لم تتخذ إجراءات سليمة لمعالجته على المستوى الكلي.
ولذلك فإن اعتماد النظريات الكلية في معالجة مسببات الفقر يتطلب إصلاحات هيكلية على المستوى الشامل تتعدى في مداها الأدوار الجزئية التي تضطلع بها وزارات الشؤون الاجتماعية والجمعيات الخيرية متعددة الأغراض والأهداف. ومثل هذه الإصلاحات تتطلب وقتاً أطول في جمع البيانات وفي الدراسة وتصميم الخطط وبناء أو إعادة بناء المؤسسات وإعداد الخطط ورسم سياسات التنفيذ لما لها من تأثير مباشر وغير مباشر على كافة المجاميع الاقتصادية الكبرى ولما لها من تأثير كبير في إعادة ترتيب أولويات المجتمع الإنتاجية والاستهلاكية وتوجيه موارده المتاحة نحو التوظيف في استخدامات ومجالات قد لا تبدو منطقية في ظل الظروف القائمة للبلد محل التطبيق ما يعني أن النتائج بعيدة المدى سواء منها الإيجابية أو السلبية ستؤثر على كافة القطاعات الاقتصادية وعلى كافة المواطنين.
وهذا ما يدفع بمعظم الدول لاعتماد الحلول الجزئية في معالجة مسألة الفقر من منطلقات سياسية بحتة، وذلك بالتعامل معها من خلال المؤسسات الجزئية التي تعتمد في عملها على تحويل جزء من الدخل الوطني للبلاد للفقراء سواء على شكل أغذية أو إسكان أو محو أمية أو تدريب مهني أو حتى مساعدات نقدية. وهي تلجأ لهذه الحلول لسرعة تأثيرها واتضاح نتائجها في وقت قصير ولكنها تبقى حلولاً جزئية أشبه ما تكون بالمسكنات أو الحقن الاجتماعية Social Injections التي يزول تأثيرها بزوال المؤثر أو التباطؤ في تقديمه.
تلكم هي القضية ويبقى الجانب الأخلاقي المهم فيها والمتمثل في قدرة المجتمع على تطوير نظم ومفاهيم إنسانية وأنماط سلوكية لكبح جماح الجشع والأنانية وحب الشهوات، مع تنمية الإحساس بالآخرين وبحقهم المشروع في الحياة الكريمة عنصراً مهماً في إدارة وتوجيه النشاطات الاقتصادية، والعدالة والتوازن في توزيع نواتجها بين المواطنين..


