أهم مقالاتي على مدى سنين طويلة في النضال الإعلامي لتوطين صناعة الفوسفات في موطن استخراجه، طريف
- د. علي التواتي
- Jun 23, 2023
- 28 min read
معركة فكرية وتنويرية ومطالبات تنموية مظفرة على المستوى المناطقي حين ورد ذكرها في مجلس مستشار خادم الحرمين الشريفين وأمير منطقة مكة المكرمة في مجلسه بحضوري أشار الي وقال.. هذا رجل بنى مدينة بقلمه، وأثبت للجميع بان المطالبات التنموية تلقى اذناً صاغية من القيادة حين تعرض بالشكل المناسب والتوقيت الصحيح..

طريف مدينة سعودية صغيرة تقع في أقصى الشمال الشرقي من البلاد ضمن منطقة الحدود الشمالية الإدارية. وهي مدينة صحراوية تعود في نشأتها الأولى لوجود محطة ضخ للنفط ضمن خط أنابيب الشمال (التابلاين) الذي كان ينقل النفط السعودي من ميناء ابقيق النفطي على الخليج العربي عبر ثلاث دول عربية هي الأردن وسوريا ولبنان للتصدير من ميناء الزهراني اللبناني قرب طرابلس على البحر الأبيض المتوسط. ولقد شهدت طريف في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي أثناء تشغيل خط الأنابيب ازدهارا غير مسبوق أو مواز لأي مدينة سعودية أخرى حتى تم إيقاف ضخ النفط عبر الخط في السبعينيات والاستغناء عنه تماما باستبداله بخط اخر (بترولاين) من الشرق إلى الغرب لتصدير النفط عبر ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر.
وبإغلاق الخط تدهورت أحوال طريف حتى هجرها معظم سكانها خاصة بعد اغلاق منفذها الحدودي مع الأردن واستبداله بمنفذ جديد بعيد نسبيا عن طريف عرف باسم (الحديثة).
ولكن عاد الأمل باكتشاف الفوسفات والغاز والنفط الصخري في طريف. ولكن أصحاب المصالح في البيروقراطية الحكومية سعوا لنقل المنتجات خاما إلى مجمعات صناعية في المنطقة الشرقية دون اعتبار للتنمية الريفية والمناطقية التي كانت وماتزال هدفا معلنا في كافة خطط التنمية السعودية.
وبحكم نشأتي الأولى في طريف حتى انتهاء المرحلة الابتدائية، وفيها كانت مدارج طفولتي وذكرياتها الجميلة وآخر عهدي بوالدي -يرحمه الله -الذي توفي فيها، ومعرفتي بحجم المعاناة التي يعيشها الناس في تلك البيئة الصحراوية القاسية الباردة حدّ التجمد أحسست بحجم الظلم الذي يتعرضون له مما يراد بهم فتبنيت قضيتهم على مدى عشر سنوات حتى اعتمدت الحكومة لطريف مدينة اقتصادية اسميت (مدينة الوعد).
ورغم أنني لم أُدع حتى لحفل وضع حجر الأساس في تلك المدينة الموعودة ولا لافتتاحها، إلا أن ذلك لم يهمني كثيرا وإن أثر في نفسي قليلا، لأن القاعدة في العالم العربي ألا ينسب الفضل لأهله، والمعتاد هو أنه عند النضال والتعرض للتهديد والتسفيه يختفي الجميع، ولكن عند النجاح واقتسام الغنائم يتسابقون لاقتسامها وكل يدعي وصلاً بليلى.
وعلى كل حال، فالأهم بالنسبة لي هو النجاح في تحقيق الهدف وما عند الله خير وأبقى. ولذلك أورد هذه المقالات في هذا الكتاب للتاريخ، وكمثال حي لما يمكن أن ينتج عن الإصرار والثبات على الحق من نتائج مبهرة.
ما زلت أحمل دمعة الفراق يا طريف

يقول خبر أوردته جريدة الرياض في صفحتها الاقتصادية يوم السبت 20 محرم 1422هـ (اكتشفت شركة التعدين العربية السعودية – معادن-400 مليون طن من خام الفوسفات في شمال المملكة على مساحة 18 كيلومتراً مربعاً.. وينقل هذا الاكتشاف المملكة لأن تصبح الشريك الدولي الثالث في إنتاج هذه المادة خاصة وأن رواسب صخر الفوسفات المتواجدة في مجموعات طريف الثلاث - أم وعال والمراء والجلاميد – من أكبر الرواسب المعروفة في العالم والتي لم تتم تنميتها وهي أكبر وأكثر منطقة امتداداً للفوسفات في العالم..) وتمضي الجريدة في إلقاء مزيد من الضوء على كميات الفوسفات الموجودة وإمكانيات الاستفادة منه وصناعات الدفع الخلفي والأمامي التي ترتبط بإنتاجه.
لم أفاجأ أبداً بهذه المعلومات عن فوسفات طريف لأنني شربته في مائها وتذوقته في زرعها وتنفسته في هوائها منذ أن درجت قدماي الطفلتان حافيتان فوق ثراها تلتهبان عند التهاب رمضائها وتتقرحان من قر شتائها.

صحيح أن مدينة الوجه على الساحل الشمالي الغربي هي موئل آبائي وأجدادي الأقربين ولكن طريف هي مرتع طفولتي ومهوى فؤادي وقرة عيني لا أتهجى مسميات قراها ووهادها وجبالها بل أرعاها عشباً أخضر يانعاً في سويداء قلبي وفي كل جوارحي. فهذه (أم وعال) التي كانت مرتعاً للضباء والغزلان وأخذت اسمها من كثرة الوعول فيها. ولقد شهدت في طفولتي جريمة القضاء عليها بالعشرات ممن يسمون أنفسهم صيادين. أي صيادين أولئك الذين كانوا يركبون سيارات قوية وسريعة ويتبارون من فوقها في تصويب فوهات أحدث أسلحة القتل والفناء ليبيدوا قطعاناً كاملة من الضباء وكأنما بينهم وبينها ثأراً يستوجب إفناءها! وهذا شعيب القبر الذي تكسوه زهور الفانيلا (البابونج) الصفراء في مواسم الربيع الجيدة حتى أن طفلاً بعمر السادسة يمكن أن يضيع في ثناياه. وهذه كتيفة وتل الهبر حيث الزعتر والشيح والقيصوم والخزامى والنفل والأقحوان تعطر الأجواء وتشفي الأجساد والأرواح العليلة بأريجها الفواح وبتناغم ألوانها وتوافق تموجاتها مع نسمات الربيع الكسلى.

لقد توقف تاريخ طريف بالنسبة لي لحظة أن نظرت من نافذة الطائرة الداكوتا (دي سي 3) التي كانت جاثمة بجوار المدرج الترابي الوحيد في مطار طريف أحد أيام شتاء 1385هـ لألقي نظرة الوداع على أبي الشيخ الكبير الذي كان يغالب دمعة تترقرق في عينيه وهو يجلسني على مقعد الطائرة صبياً صغيراً بالكاد أكمل ربيعه الثاني عشر ويأمرني بالكف عن البكاء ويشد من عزيمتي بتأكيده ربما للمرة المائة أنه يعقد علي آمالاً كبيرة في أن اكمل تعليمي وأحصل على أعلى الشهادات وأنه يتحمل من الم الفراق مثلما أتحمل أو حتى أكثر وهو يرسلني إلى (جدة) في عهدة أخي الأكبر صالح - يرحمه الله - الذي كان يعمل هناك لأكمل تعليمي وذلك لأنه لم يتوفر في طريف مدرسة متوسطة في ذلك الزمان.
لم أكن أعلم أن نظرتي من نافذة تلك الطائرة ومشهد أبي وهو يمسح دمعة حرى طفرت من عينه بكمه ولا يظن أنني رأيتها كانت النظرة الأخيرة التي ألقيها في حياتي على أبي وعلى طريف التي لم أعد إليها منذ وفاة والدي في أول أيام رمضان المبارك من ذلك العام. ولكن تبقى طريف في جفني دمعتين، دمعة فراق تجرى ودمعة رجل أحبسها من وقع كلمات والدي التي تعمل في نفسي وتثبتني عند المحن حتى هذا اليوم.
ومنذ يوم رحيلي عن طريف وأنا اسبقها بمرحلة فعندما أنهيت المرحلة الدراسية المتوسطة في جدة فتحت في طريف متوسطة وعندما أنهيت المرحلة الثانوية فتحت في طريف ثانوية وعندما أنهيت مرحلة البكالوريوس لم تفتح في طريف دراسة جامعية.. حتى شركة التابلاين التي كانت تشغل واحدة من أكبر مضخات النفط السعودي في خط أنابيبها عبر البلاد العربية أوقفت أعمالها وأغلقت محطتها بسبب الحرب الأهلية اللبنانية وبإغلاقها فقد العشرات من أبناء طريف وظائفهم واضطر من أسعفه العمر والمهارات الوظيفية للرحيل باتجاه الداخل.
وبإغلاق الشركة لمحطتها فقدت طريف الخدمات المساندة التي كانت تقدمها الشركة للبيئة المحيطة بها. فقد أغلقت مستشفى طريف التي كانت تحت إشراف الجامعة الأمريكية ببيروت وأوقفت الشركة عمليات استخراج المياه وتكريرها وتحليتها وأوقفت تزويد طريف بالثلج ومواد البقالة التي كانت تعتبر أعجوبة في وقتها مثل مشروبات المياه الغازية والآيسكريم كذلك وسائل الترفيه والرياضة مثل صالة السينما التي كانت تعرض أحدث أفلام الموسم في وقتها وقاعة البلياردو والبولينج وساحات التنس وكرة السلة والقدم.
كذلك توقف بناء المدارس الحديثة ذات الدور الواحد المجهزة بالتدفئة والتبريد والمياه الباردة الحلوة والطباشير الحديث في وقته والذي لا يتطاير غباره أثناء الكتابة. ولقد كان من لا يجد علاجاً في طريف ينقل فوراً بطائرة الشركة الخاصة إلى مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت وكان كل الشبان في طريف حاضرة وبادية تقريباً يتحدثون الإنجليزية بطلاقة.
لقد كان زملائي في جدة يسخرون مني عندما أحدثهم عن مدرستي في طريف ويوصون بعضهم البعض بسؤالي حتى يزدادوا ضحكاً من حجم الأكاذيب التي كانوا يتصورون أنني أطلقها! ماذا لو أخبرتهم بأننا كنا نحتفل بيوم الاستقلال الأمريكي الرابع من يوليو في الشركة ونأكل ساندويتشات الهمبرجر ونشرب (الكندا دراي) ونشارك في إطلاق الألعاب النارية ونقيم سباقاً للحمير مع أبناء خبراء الشركة الأجانب وكأننا أبناء أسرة واحدة. لربما ظنوا حينها أنني لست كذاباً فقط بل ومجنون أيضا.
وعلى أية حال لم تفق طريف من صدمة فقدها للشركة التي كانت ترعاها حتى فُجِأَتْ بفقد جمركها الذي كان يعتبر أكبر منفذ بري شمالي للمملكة في وقته مع الأردن لينقل إلى الحديثة وينتقل معه عدد كبير من أبنائها.
وبفقد طريف لقاعدتها المنتجة أصبحت تبحث عن قاعدة اقتصادية جديدة تعوضها عما فات وتضخ دم الحياة في شرايينها العطشى من جديد. وهذا ما حاولت مساعدتها في البحث عنه من خلال ما اقترحته في مقالة رئيسية نشرت في عكاظ في اليوم الوطني الذي وافق يوم السبت 25 جمادى الآخرة 1421هـ بضرورة النظر بالاستفادة من فوسفات طريف بـ(إنشاء معمل لتجميع وتنقية فوسفات طريف وحزم الجلاميد في حالة ثبوت جدوى استثماره للاستفادة من العمالة المحلية والعربية القريبة في سبيل إعادة ضخ دم الحياة في عروق المدينة التي ضمرت إلى حد كبير بفقدانها لقاعدتها الإنتاجية بنقل جمركها إلى الحديثة وتوقف العمل في محطتها الرئيسية لضخ النفط عبر خطوط أنابيب التابلاين تلك القاعدة التي لم تحظ بإعادة بناء أو تعويض أو ببديل منتج حتى الآن ..) ومن ضمن الاقتراحات التي أوردتها في تلك المقالة لتطوير المناطق الحدودية بناء خطي أوتوستراد رئيسيين أحدهما شرقي يبدأ من الحديثة ويمر بطريف وعرعر وكافة مدن الشمال وينتهي بعمان ويتفرع لكافة دول الخليج وخط غربي يبدأ من حقل أو حالة عمار مروراً بتبوك فالمدينة المنورة فجدة وينتهي في اليمن ويتفرع إلى الموانئ الرئيسية والفرعية على البحر الأحمر ويوازي هذين الخطين البريين وتفريعاتهما خطي سكة حديد ليصبح المشروع أكثر تكاملاً وتنوعاً.
واليوم تفرحنا شركة معادن بالتأكيد على أن الاستثمار في فوسفات طريف ليس مجدياً فحسب، ولكنه يضع المملكة على قائمة ثالث أكبر منتج للفوسفات في العالم. كما تفرحنا الشركة بأن الدفع الأمامي لمشروع الاستثمار في الفوسفات سينتج عنه صناعات جانبية أخرى منها صناعة نقل جديدة تتمثل في خط سكة حديد من طريف إلى الجبيل ومصانع لإنتاج حامض الكبريتيك والأمونيا ومعالجة الحبيبات لتحويل المركزات إلى ثنائي فوسفات الأمونيوم. وتتوقع الشركة (أن تصبح هذه المصانع الكيميائية أكبر المصانع التجارية في هذا المجال).
ولكن ما تلبث الشركة أن تفسد فرحتنا بالإفصاح عن عزمها على مد خط للسكة الحديد أو خط أنابيب يعمل بالمضخات ليس لنقل المنتجات النهائية من مصانعها في طريف ولكن لنقل مركزات الفوسفات الخام إلى الجبيل حيث تتم كافة عمليات التصنيع هناك. إذاً ما الفائدة التي تجنيها طريف أو أهل طريف من فوسفاتها في هذه الحالة؟ لا أعتقد أنها تزيد عن تجريف أراضيها وتحويلها إلى مناطق مجرّفة لا تصلح لشيء. وماذا عن توطين الصناعات في المناطق الحدودية والبعيدة وماذا عن تطوير الأرياف والمناطق البعيدة وماذا عن شهادات الدكتوراة التي أحملها ويحملها غيري كثيرون في مجالات التنمية الاقتصادية الريفية والإقليمية؟ وإن كانت شركة تقرر فأين وزارة التخطيط وأين وزارة الشؤون البلدية والقروية بل أين مجلس المنطقة وأين وأين؟! وماذا وماذا؟!
لم أسمع لأحد صوتاً فيما عدا خط السكة الحديد الذي أصبح كل مسؤول وغير مسؤول يفتي فيه بعلم أو بغير علم على صفحات الجرائد كموضوع ساخن يساعد على الظهور السريع، وحتى بافتراض إقرار ذلك الخط العتيد الذي حلمنا به كثيراً بأي شكل من الأشكال وبأي صيغة من الصيغ فقد أصبح بالنسبة لنا وحشاً مرعباً نخشاه ولا نريد سماع أية أخبار عنه وندعو الله أن ينزل به قارعة ما لم يكن وسيلة لنقل منتجات نهائية جاهزة من مصانع طريف إلى كافة أرجاء العالم.
إن توطين صناعة الفوسفات والصناعات القائمة عليها في طريف هو الأمل المنشود لأهل منطقة الحدود الشمالية كلهم وليس لطريف وحدها وهو الرجاء الذي يرفعه سكان المنطقة إلى أصحاب القرار الذين يهمهم أن تصل التنمية إلى كل شبر من المملكة. فقرارات توطين الصناعات لا تحكمها دراسات الجدوى الاقتصادية فقطً والأمثلة في العالم كثيرة وهذه فرصة سانحة لتطوير منطقة كاملة بإمكاناتها الذاتية وبخاماتها المتوفرة فلم لا نغتنمها ونمكن أهلها من البقاء فيها والعودة إليها بدلاً من تحويلها إلى براري مجرّفة قد لا تصلح بعدها لأي شيء.
وحتى لا يظن أحد أن لي مصلحة في طريف أعلن على الملأ أنني لا أملك شبراً فيها حتى بيت أبي في طريف لم أعد املكه أو يملكه أحد من أهلي، ولا أنوي العيش فيها وقد استقر بي المقام في غيرها منذ أمد بعيد ولكن كل ذلك لا يهم لأن ما تطوي عليه ضلوعك هو ملكك ولا يستطيع أحد أن ينتزعه منك وتلك هي طريف بالنسبة لي، ولذلك لا أحتاج في حبي لها إلى صك ملكية أو أوراق ثبوتية وهكذا تبقى طريف مدى العمر مغروسة في سويداء قلبي، وتبقى طريف جرحي القديم النازف، وتبقى طريف حبيبتي البدوية العصية النافرة، وتبقى طريف كبرياء الشمال وتسامي النجم القطبي فوق كل نجوم السماء.
ولم يتبق لي قبل الختام إلا أن أقول لطريف ولكل أهل طريف أنني لا أملك غير قلمي أسطر فيه حبكم وأنفح به عنكم ما استطعت ولو أمكن لكتبت عنكم ولكم بدمي بدل حبر المطابع ولكن منكم العذر ومني الوفاء وأقول لحبيبتكم وحبيبتي طريف .. والله ما زلت أحبس دمعة الفراق يا طريف..
طريف وضبا والقطار

سبق أن كتبت مقالة في جريدة عكاظ بتاريخ 9 صفر 1422هـ تعليقاً على خبر أوردته جريدة الرياض نقلاً عن مسؤول في شركة معادن السعودية مفاده أن رواسب الفوسفات المتواجدة في مجموعات طريف الثلاث – أم وعال والمراء والجلاميد – من أكبر الرواسب المعروفة في العالم. وفي ذلك الخبر ورد أيضاً ما يفيد بعزم الشركة إنشاء عدد من مصانع التعدين في الجبيل ومد خط سكة حديد أو أنابيب ضخ، أيهما أجدى، وذلك لنقل خامات الفوسفات من مواطنها في طريف وحزم الجلاميد إلى ميناء الجبيل الصناعي على الخليج العربي. وفي تلك المقالة استعرضت جانباً من تاريخ طريف وفقدها لقاعدتها الإنتاجية بسبب توقف ضخ النفط عبر خطوط أنابيب التابلاين وانتقال جمركها الذي كان المنفذ الرئيسي للمملكة عبر الحدود الشمالية الشرقية إلى الحديثة كتمهيد للدعوة إلى إعادة النظر في قرار توطين معامل تصنيع الفوسفات لتصبح في طريف بدلاً من الجبيل لتعويضها وتعويض كافة مدن منطقة الحدود الشمالية الشرقية عن خط الأنابيب الذي كان يضخ الحياة في شرايينها، وللتخفيف من ضغوط الهجرة الداخلية على سكان تلك المنطقة باتجاه المناطق الداخلية.
ولكن يبدو أن موضوع توطين المعامل قد أخذ اتجاهاً آخر لم يكن في الحسبان، فقد ورد في تصريحات نسبتها عكاظ إلى وكيل وزارة المواصلات لشؤون النقل ونشرتها على صفحتها الأولى يوم الخميس الماضي أن المجلس الاقتصادي الأعلى يناقش حالياً مشروعي خطي السكة الحديد الذين يربطان شرق وشمال المملكة بغربها.. وأن الخط الثاني يربط شمال المملكة (الزبيرة وحزم الجلاميد بالعاصمة الرياض)، ويسمى (خط التعدين) وذلك بهدف (نقل منتجات الفوسفات والمعادن المستخرجة بالإضافة لخدمة التنمية الاجتماعية)، وقد قرأت تصريحات سابقة لوزير المواصلات بهذا المعنى ..
فهل يعني ذلك أن قراراً قد اتخذ بإنشاء معامل تصنيع الفوسفات في الرياض بدلاً من الجبيل أو طريف؟ أو أن وكيل وزارة المواصلات كان دقيقاً في استخدام مفرداته حين وصف المواد المراد نقلها للرياض بأنها (منتجات الفوسفات والمعادن المستخرجة) وكلمة منتجات هذه قد يستشف منها الاقتصاديون المتخصصون أن معامل التكرير ستكون في منطقة الحدود الشمالية الشرقية حيث موطن الخامات للحصول على (المنتجات المصنعة الجاهزة) التي سيتم نقلها بعد التجهيز إلى الرياض؟ والأمر الواضح من التصريحات المنقولة في الحالتين هو أن الرياض ستكون الوجهة النهائية للفوسفات ولكن لا أحد يستطيع الجزم من خلال تلك التصريحات بموقع معامل التصنيع ما لم يتم ايضاح ذلك بشكل جلي لا لبس فيه من جهة مسؤولة عن قرارات التوطين الصناعي.
وبسبب هذا الغموض آمل أن يتفضل المسؤولون في المجلس الاقتصادي الأعلى بدراسة قرار توطين معامل التصنيع قبل دراسة الجدوى من إنشاء خط السكة الحديد إذا لم يكونوا قد فعلوا ذلك، فإذا كانت المعامل في الرياض والخامات تنقل إليها من منطقة الحدود الشمالية فهذا يعني أن الوجهة (النهائية) لمعظم المنتجات المصنعة لن تكون الرياض ما يعني ضرورة إعادة نقلها بعد تجهيزها في معامل الرياض للتصدير عبر الخطوط البرية والسكة الحديد التي أتت بها من الشمال إلى الرياض باتجاه الشمال مرة أخرى أو باتجاه أحد الموانئ على الخليج أو البحر الأحمر، وفي ذلك أعباء إضافية غير مبررة تزيد من تكلفة الإنتاج وتفقد المنتجات قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية. أما إذا وطنت معامل الإنتاج في منطقة الحدود الشمالية ذاتها فهذا يعني أن معظم الإنتاج سيكون جاهزاً للتصدير منها، وعندها سيكون نصيب الرياض من تلك المنتجات هو ما يطلبه المستهلكون منها وسيكون ضئيلاً بالمقارنة بما سيتم تصديره للدول الأخرى التي يتوقع أن يكون طلبها أعلى على الفوسفات ومشتقاته، وفي هذه الحالة تنتفي جدوى إنشاء خط السكة الحديد، ولذلك لا بد من البحث عن أقصر طريق للتصدير، وفي هذه الحالة سيكون أفضل خط للتصدير من وجهة نظر مبدئية قابلة للمناقشة والدراسة هو أقصر خط، وأقصر خط سكة حديد (خط تعدين) يمكن أن ينطلق من عرعر، العاصمة الإدارية للحدود الشمالية، نحو الشمال باتجاه القريات مروراً بمناطق التعدين (حزم الجلاميد وطريف)، ومن القريات يتجه إلى منطقة تبوك لينتهي في ميناء (ضبا) على البحر الأحمر، ولخدمة أغراض اقتصادية واجتماعية أخرى لا مانع في المستقبل من مد توصيلة لمنطقة الجوف وغيرها من المناطق الواقعة جنوباً حسبما تقتضيه الحاجة والظروف، ومما يسهل من إنشاء مثل هذا الخط المقترح ويعزز من جدواه هو أنه يمر في براري شاسعة تدخل في معظمها ضمن ملكية الدولة ما يعني أن مبالغ تعويضات نزع الملكيات الخاصة ستكون محدودة للغاية ومن المؤكد أنها ستقل كثيراً عن تعويضات خط يعبر حائل والقصيم باتجاه الرياض فوق أراض مملوكة ملكية خاصة منذ مئات السنين.
وبتوطين معامل تصنيع الفوسفات وإنشاء مثل هذا الخط تتحقق من وجهة نظري أهداف اقتصادية واجتماعية مباشرة وغير مباشرة تفوق الخيال، وأهم الأهداف المباشرة، توطين صناعات تستوعب الزيادة الطبيعية في سكان المنطقة، وتجتذب أعداداً متزايدة من السكان من مناطق أخرى مزدحمة نحو منطقة ضعيفة سكانياً من الناحية الإستراتيجية، وتوفير مصادر دخل ثابتة ومتنامية لسكان المنطقة التي تشكل عبئاً كبيراً على ميزانية الدولة منذ أمد طويل، وربط مناطق الحدود الشمالية من الشرق إلى الغرب بوسيلة مواصلات تساعد على تكاملها وترابطها، وتحقق الاستفادة المتبادلة خاصة من ميناء (ضبا) الذي يمكن أن يصبح ميناء تصدير واستيراد لكافة المنطقة الشمالية باعتباره أقرب الموانئ البحرية منها، ويمكن لمثل هذا الخط أن يتصل من (ضبا) بخطوط السكة الحديد الأردنية ومنها بخطوط دول الشمال العربي والأوربي.
ومن الأغراض الإقتصادية غير المباشرة الأخرى التي تخدمها مشاريع توطين المعامل وخط السكة الحديد في المنطقة الشمالية تعزيز التواصل بين أبناء البوادي وتسهيل تنقلهم مع مواشيهم بين المناطق الرعوية المختلفة في المنطقة وتجهيز البنية الأساسية اللازمة لمزيد من الاستقرار والتحضر في مواقع مختارة قريبة من محطات القطار تمكنهم من الاستفادة المثلى من الخدمات التعليمية والصحية والعامة الأخرى التي تقدمها الدولة لغيرهم من المواطنين المستقرين، وقد يخدم تجهيز البنية الصناعية الأساسية اللازمة للمعامل أغراض جذب مزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية من الدول العربية الشمالية التي لا تتوفر فيها مثل تلك البنية لتوطين مشروعات تنتج لأغراض التصدير لتكون المحصلة النهائية منطقة منتعشة جاذبة للسكان والاستثمارات قد يمثل تطويرها منعطفاً تاريخياً في تنمية المناطق البعيدة وقد تتعدى بتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية الإيجابية حدود المملكة للدول العربية الشمالية المجاورة.
وهناك أغراض أخرى يخدمها توطين معامل صناعات الفوسفات والمعادن في منطقة الحدود الشمالية من أهمها الأغراض البيئية حيث أن هذا النوع من الصناعات يعتبر من أكثر الصناعات تلويثاً للبيئة ويمكن اختيار المنطقة المناسبة للتعدين في تلك المنطقة الواسعة القليلة السكان على عكس الرياض التي لا تحتاج إلى مزيد من الازدحام والصناعات الملوثة للبيئة التي تتوطن حالياً في جنوبها وجنوبها الشرقي وتصل بتأثيراتها الضارة إلى كافة الأرياف والمحافظات المجاورة .
لذلك آمل أن يدرس المجلس الاقتصادي الأعلى خيارات توطين معامل التعدين قبل دراسة خيارات تمديد خطوط السكك الحديدية وأن يراعي في دراسته كافة المتغيرات الاقتصادية وغير الاقتصادية في توطين مثل تلك الصناعات حتى لا تتحول الرياض إلى قاهرة أخرى يتزاحم فيها نصف سكان الدولة، وحتى تتحقق أهداف التنمية الإقليمية للمناطق الحدودية والبعيدة بالاستفادة من الموارد المتوفرة فيها، وحتى تتحقق شروط أفضل ومغريات أكبر لسكانها للبقاء والاستمرار فيها، وحتى لا ينقل أول قطار قادم من منطقة الحدود الشمالية سكان المنطقة للرياض قبل نقل خامات فوسفاتها ..
لنكن أكثر وضوحا يا معادن
عندما طرحت لأول مرة فكرة إعادة النظر في توطين مجمع التصنيع الكيميائي لمعالجة وتصنيع خامات الفوسفات في منطقة الحدود الشمالية موطن خامات الفوسفات في مقالتي المنشورة بتاريخ 9 صفر 1422هـ، كان ذلك تعليقاً على تصريحات نقلتها جريدة الرياض في حينها عن مسؤول في شركة معادن مفادها أن رواسب الفوسفات المتواجدة في (مجموعات طريف الثلاث – أم وعال والمراء وحزم الجلاميد) تعتبر من أكبر الرواسب في العالم وأن الشركة تعتزم توطين مجمع تصنيعها في الجبيل وتبحث في وسيلة نقل مناسبة للخامات من مواطنها باتجاه الجبيل، ولكن الشركة تعاملت مع مقالتي بإهمال تام وكأنما الموضوع لا يعنيها فظننت أن المسؤولين فيها أو في غيرها من المواقع عاكفين على إعادة النظر في الموضوع وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح في توطين مجمع المصانع في طريف موطن المعادن مثلما وطنت مصانع الذهب في مهد الذهب ومثلما وطنت صناعات حجر الرياض والطوب الرملي في الرياض ورخام الجنوب في الجنوب ومحطات تحلية المياه المالحة على شواطئ البحار والصناعات البتروكيميائية التي تعتمد على النفط في الجبيل.. وهكذا.
ولكن منذ عدة أسابيع لاحظت أن وزير المواصلات ووكيله لشؤون النقل بدئوا بإطلاق تصريحات غامضة عن خط سكة حديد أسموه (خط التعدين) وذلك لنقل خامات الفوسفات من حزم الجلاميد إلى الرياض وأن المشروع مطروح الآن على المجلس الاقتصادي الأعلى لإقراره ولم توضح تلك التصريحات الوجهة النهائية للفوسفات الخام وهل المعامل ستقام في الرياض أو في غيرها من بلاد الله الواسعة فنشرت مقالة أخرى منذ أسبوعين في زاويتي الأسبوعية (من الكوة) تعليقاً على تلك التصريحات بعنوان (طريف وضبا والقطار) دعوت فيها المسؤولين في (المجلس الاقتصادي) الأعلى إلى إعادة النظر في توطين المعامل في الشمال وعكس اتجاه خط السكة الحديد باتجاه ميناء ضبا لأسباب أوضحتها في مقالتي تلك، ولم تمض أيام منذ نشر المقالة لتسارع معادن بالرد عليها بطريقة غير مباشرة في جريدة الرياض بتصريح لنفس المسؤول ونفس المراسل ونفس الصفحة التي حملت تصريحاته القديمة رداً عجيباً غريباً وليتها تجاهلت مقالتي الثانية وصمتت مثلما فعلت مع المقالة الأولى، فالشركة التي كانت تسمي مناطق الفوسفات الشمالية بمسمى (مجموعات طريف الثلاث) صرفت النظر عن هذه التسمية لأن كاتباً يقول طالما أن اسمها مجموعات طريف فمن باب أولى ادرسوا توطين صناعاتها في طريف، ويبدو أن مسؤول معادن ظن أنه بإسقاطه لاسم (طريف) يكون قد أراح نفسه من عبئ مردودات تلك التسمية وساند نفسه بالشرعية اللازمة لتوطين المجمع الصناعي أينما يريد؟ والأسوأ من ذلك أنه بعد أن كان يردد أن دراسات الجدوى أثبتت الحاجة لإنشاء خط سكة حديد أو خط أنابيب لضخ الخامات نحو الجبيل في طريق مواز لخط التابلاين يقرر اليوم أن موطن المعامل مازال حسب ما قررته الشركة سابقاً أي الجبيل وأن (المشروع يحتاج لإنشاء خط سكة حديد يمتد من الجلاميد إلى الجبيل مروراً بالرياض).
أي دراسة جدوى بربكم هذه التي تقول انقلوا خام الفوسفات من الجلاميد إلى الرياض بخط ينشأ لهذا الغرض ومن الرياض إلى الدمام باستخدام الخط الحالي وبخط آخر من الدمام إلى الجبيل؟ لنحسبها معاً على طريقة جدتي - رحمها الله - إذا أنشأنا خط سكة حديد مستقيم بلا اعوجاج من حزم الجلاميد إلى الرياض، مع استحالة ذلك من الناحية العملية، فسيكون طوله ألف كيلومتر، ويحتاج إلى حرم للخط بعرض ألف متر، وبعملية حسابية بسيطة نحتاج إلى (مليار) متر مربع من الأرض ، وحيث أن كل الطريق من حزم الجلاميد إلى الرياض مملوك ملكية خاصة فلا أظن أن ملاك الأراضي سيتبرعون للدولة بأراضيهم على سبيل الهدية ( ما من وراها جزية) لأن الملاك في هذه البلاد لم يعودونا على ذلك أبداً ما يعني أنهم سيتسلمون تعويضاتهم عداً ونقداً، وإذا ما افترضنا أن التعويضات لا تقل عن مائتي ريال (كحد أدنى) للمتر المربع فالمطلوب توفيره (مائتي مليار) ريال لنزع الملكيات لخط الرياض فقط دون الدخول في تعقيدات إكمال خط الدمام إلى الجبيل وما سيصاحبه من نزع ملكيات وتعويضات أتوقع أن تصل إلى أرقام فلكية، أضف إلى ذلك تكاليف إنشاء الخط نفسه ومحطاته وعرباته و تشغيله التي لن تقل عن مائة مليار أخرى ليصبح المطلوب ثلاثمائة مليار والاستثمار اللازم لإنشاء شركة مشتركة توطن المصانع في الجبيل وتجرف براري منطقة الحدود الشمالية من حزم الجلاميد إلى طريف وضواحيها (أم أوعال والمراء) لمدة مائة عام يحتاج إلى (7.5) مليار ريال حسب أحدث تصريحات لمسؤول شركة معادن ليتخطى إجمالي التكاليف ثلاثمائة مليار ريال في سبيل إنتاج (ثلاثة) ملايين طن فقط في العام من ثنائي فوسفات الأمونيوم (الراب)، ولا أود الدخول في تفاصيل أسعار هذه المادة الرخيصة في السوق العالمية والتي تذهب معظم صادراتها العالمية حالياً للهند ولكني أتساءل هل تغطي عوائد إنتاج مائة عام منها تكاليف نقلها إلى الجبيل؟!

ولذلك أقول أنه كان الأجدر بمسؤول معادن الصمت وتجاهل هذه المقالة أيضاً حسب وصفة (أخصروه) الشهيرة التي طبقها بنجاح منقطع النظير في التعامل مع المقالة الأولى وترك مسؤولية الرد على المقالة الثانية للمسؤولين القادرين على دراسة جدوى توطين الصناعات الوطنية والتقرير بشأنها خاصة أن الأمر مطروح الآن بين أيديهم في المجلس الاقتصادي.
أما بالنسبة لجدوى إنشاء شبكة قطارات من الشمال إلى الرياض أو من الرياض إلى الجنوب أو من تبوك إلى جازان فتلك قرارات استراتيجية قد تقدم الدولة على اتخاذها لاعتبارات مختلفة اقتصادية أو أمنية أو اجتماعية أو عسكرية وقد تفوق في مردودها أي دراسات للجدوى الاقتصادية البحتة، وما شبكة السكك الحديدية والطرق المتقدمة في أوربا وألمانيا على وجه الخصوص التي أنشئت لأغراض نقل القوات العسكرية خلال حروب القرن الماضي سوى مثال صارخ على قوة الاعتبارات غير الاقتصادية في إقدام الدول على تنفيذ مشروعات قد يكون لها مردود اقتصادي وقت تنفيذها أو لا يكون، ولذلك يجب الفصل بين مسألة توطين صناعات الفوسفات ومسألة إنشاء خطوط السكة الحديد لأنهما مسالتان مختلفان وتخدمان أغراضاً مختلفة وقد يكون نقل منتجات المعادن أو خاماتها جزءاً من عوامل دعم إنشاء خط للسكة الحديد ولكنه لا يمكن أن يكون مبرراً وحيداً أو رئيسياً لها وذلك لوجود وسائل نقل بديلة أرخص في الوقت الحالي، وفوق كل ذلك لا يجوز بأي حال من الأحوال القيام بعقد تحالفات مصلحية بين عدة جهات حكومية وأصحاب مصالح خاصة وشركات لدمج المسألتين وحرمان منطقة كاملة من التنمية بمواردها الذاتية بحجة الجدوى الاقتصادية التي هي براء من ذلك براءة الذئب من دم بن يعقوب.
أما إذا كان هناك إصرار على الربط بين المسألتين فاقتراحي في المقالة السابقة بإنشاء خط سكة حديد بين عرعر وضبا مطروح الآن من خلال عكاظ على طاولة بحث المسؤولين في المجلس الاقتصادي الأعلى، وكلي ثقة بأنهم سينظرون فيه ويدرسون جدواه ولا يجدر بأي جهة أخرى أن تسارع منفردة للمزايدة في موضوع توطين الصناعات الوطنية من منطلقات إقليمية أو مصلحية ضيقة فهو أكبر من أن تبت فيه شركة أو وزارة بعينها لأنه يهم عدداً كبيراً من جهات الاختصاص ومنها وزارة التخطيط ووزارة الصناعة والكهرباء ووزارة الشؤون البلدية والقروية ووزارة الداخلية والمجلس الاقتصادي الأعلى.
وبانتظار ما سيصدر من المجلس الاقتصادي الأعلى في هذا الشأن من قرارات أرجو من الجميع الانتظار وعدم التسرع في إطلاق تصريحات متسرعة وغير مدروسة ولا تقوم على أي دراسات جدوى أو حتى مقدمات منطقية مقبولة حتى لا يعرضوا أنفسهم لمزيد من الإحراج والملاحاة ..
سنتعلق بمؤخرة القطار

أدعو هنا مرة أخرى إلى إعادة النظر في مسألة توطين صناعات الفوسفات في منطقتها وتصديره عبر ميناء ضباء لا عبر موانئ الشرقية حتى تنتعش كافة منطقة الحدود الشمالية، وحتى يتم تشغيل مينائها، وحتى يتم التواصل بين أجزائها بالقطار الذي يمكن أن يستخدمه البدو الرحل الذين يتكاثرون في المنطقة أيضاً في نقل حاجياتهم ومواشيهم بوسيلة مواصلات رخيصة نسبياً ما يعني مزيداً من الانتعاش للمنطقة الشمالية التخطيطية برمتها وللمناطق الإدارية الأربع المكونة لها إذا ما أخذنا في الاعتبار استثمار المعادن الموجودة في حائل وفي تبوك والجوف في مواطنها.
ورغم تعدد مقالاتنا ونداءاتنا واسترحاماتنا إلا أنه يبدو أن لا حياة لمن تنادي في الجهات المسؤولة عن مشروع التوطين في الجبيل والقطار الناقل للخام، وفي مقدمتها شركة معادن ووزارة النقل حيث لم يكلّف أي مسؤول في تلك الجهات نفسه عناء الرد علينا أو حتى إيضاح المبررات التي بنيت عليها دراسات جدوى المشروع التي يبدو أنها بعيدة كل البعد عن المبررات الاقتصادية والبيئة والأمنية التي أثرناها، وكان ردهم علينا عملياً بالمراوغة في التسميات تارة وبالمضي قدماً في المشروع على طريقة (والقافلة تسير) تارة أخرى، فبعد أن كانوا يسمّون منطقة الفوسفات (مجموعات طريف الثلاث) صرفوا النظر عن هذه التسمية في تصريحاتهم اللاحقة وأصبحوا ينسبون الفوسفات إلى حزم الجلاميد فقط وبدلاً من تسمية خط السكّة الحديد بخط التعدين كما كانوا يسمّونه سابقاً أصبحوا يسمّونه (خط الشمال الرياض)، وحتى يبلغ الأمر منتهاه في الغرابة فقد توقعنا أن يوضح أحد (دكاترة) المجلس الاقتصادي الأعلى للمجلس الموقر تلك الجوانب التي ناقشناها وعتّمت عليها الجهات المستفيدة بصفة ذلك العضو محسوباً على منطقة الحدود الشمالية وعلى محافظة طريف على وجه التحديد، ولكن يبدو أن للرياض سحراً خاصاً ونعيماً يصعب على أهل المناطق الفقيرة التضحية به عندما تتاح لهم الفرصة للتمرّغ فيه بطناً لظهر سواء في المجالس الاقتصادية والتنفيذية أو حتى في مجلس الشورى فينسون الأصل والفصل والأهل والأصدقاء ..
لذلك أقول لأهالي منطقة الحدود الشمالية وللكتّاب المهتمين بتنمية المناطق الحدودية النائية أنه لن يتبقى ما يدعو لاستمرار أهل المنطقة للعيش فيها بعد نقل الفوسفات منها والقضاء على غطائها النباتي الرعوي، وليس أمامنا وأمامهم سوى التجمع يوم انطلاق أول قطار بأول شحنة من فوسفات طريف باتجاه الجنوب لنرفع أثوابنا ونعض على أطرافها بأسناننا كما كنا نفعل للتسابق عندما كنّا صغاراً ونعدو خلف القطار و(نتشعبط) بمؤخرته كل بحسب جهده واحتماله حتى يبلغ منّا التعب منتهاه فنتساقط على جانبي السكة الحديد فمنّا من ستنتهي رحلته حسب خط سير القطار في القصيم أو في الرياض أو في الخرج أو في حرض، وسعيد الحظ منّا من لا يسقط في الصحراء ويتمكن من الصمود والاستمرار (متشعبطاً) حتى يصل بحفظ الله ورعايته مع الفوسفات إلى الجبيل، فلربما وجد وظيفة حارس أمن على بوّابة أحد مصانع الفوسفات التي سيديرها عدد من الإخوة الأردنيين بعد أن أفلس مصنعهم الذي كانوا يوطنونه أيام عزّه في أقصى حدودهم الجنوبية قرب مدينة (حقل) السعودية لإبعاد مخاطره البيئية عن مدنهم الأردنية وأصبحوا بعد أن استقدمتهم معادن خبراء عالميين في تصنيع الفوسفات، إضافة إلى الإخوة الهنود بحكم أن الهند أكبر مستلك للفوسفات في العالم
فوسفات نارو

سعدت بقراءة مقالة زميلنا الأستاذ عبدالله أبو السمح التي ساند فيها نداءاتي المتكررة للمسئولين بضرورة توطين مصانع الفوسفات المقترحة في منطقة الحدود الشمالية وفي مدينة طريف على وجه التحديد.
والحقيقة أن فوسفات طريف لم يكن همي الوحيد مذ بدأت كتاباتي في الصحف المحلية بل كانت تنمية المناطق البعيدة والأرياف هي همي الأكبر بحكم تخصصي الأكاديمي وطبيعة حياتي العملية التي سعدت من خلالها بفرصة العيش في مختلف مناطق المملكة، فكتبت عن آفاق تطوير المنطقة الجنوبية، وسوق الخوبة في جازان، وتطوير جازان، وتطوير المواقع التاريخية، وآفاق الاستثمار في المناطق الحدودية، وآثار تمديد خطوط السكك الحديدية على الأرياف وعلى وسائل المواصلات الأخرى وعلى التكامل الاقتصادي العربي والخليجي. ولكن فوسفات طريف وتوطينه فيها أخذ وما يزال حيزاً كبيراً من تفكيري وحبراً كثيراً من قلمي لأسباب أوضحت كثيراً منها في مقالاتي المتعددة وسأستمر في إيضاح المزيد.
أما سبب سعادتي الغامرة بمساندة الأستاذ عبدالله أبو السمح فسببها أن هذا الرجل عندما يكتب في الشأن العام يعرف جيداً ما يريد ويقوله بكل صدق ووضوح وجرأة بإيحاء من معرفته وضميره فقط، ويصدع بالحق دون خوف أو وجل ويسمي الأشياء بمسمياتها دون رتوش أو محسنات لفظية لتأتي كلماته كالسهام الموجهة التي تصيب قلب الحقيقة، وإن نسيت فلن أنسى مواقفه التي بدت في ظاهرها معاكسة للتيار من قضايا عديدة في مقدمتها قضية تطوير وقف العين العزيزية ومتابعته لها وإصراره على إيضاح حقائقها وخفاياها رغم التهديدات والتوعدات ممن كانوا ينتفعون من الأوضاع المزرية التي كانت تعاني منها إدارة الوقف حتى تم له ولنا جميعاً ما نريد من اتخاذ إجراءات عملية نأمل أن تقود إلى مستقبل أفضل
وهاهو اليوم ينبري من بين الصفوف ليشد على يدي ويقول لست في الميدان وحدك، والحقيقة أن عشرات الإخوة المواطنين من أهل الشمال يشدون على يد الأستاذ عبدا لله أبو السمح وقد طلبوا مني أن أبلغه ذلك لأن دوافعه وطنية صرفة خاصة أنه لا تربطه بتلك المنطقة أية روابط مصلحية أو عائلية سوى حسه الوطني ومشاركته الوجدانية لإخوانه المواطنين في تلك المنطقة ما يعني مزيداً من المصداقية والزخم اللازم لتوجيه الأنظار نحو قضيتهم الهامة، وأطمع الآن بمزيد من الدعم من الأخوة الكتاب في عكاظ وفي غيرها من الصحف في تركيز الأضواء على قضية توطين مصانع الفوسفات في طريف بدلاً من نقل خاماته إلى منطقة أخرى بعيدة لنفرح قريباً إن شاء الله بقرار التوطين فيها، ودعم الجميع مهم في هذه القضية لأن الكتاب في مجموعهم كما أكرر دائماً هم (ضمير الأمة) التي ينتمون إليها وإني لعلى ثقة بأن ضمير هذه الأمة مازال نظيفاً.
وحتى لا تكون المقالة ثناءً فقط أكيله للأستاذ عبدا لله أبو السمح، الذي لم أتشرف بالتعرف عليه إلا من خلال كتاباته الصحفية وصورته في عكاظ، على اهتمامه بهذه القضية، وإن كان يستحق أكثر من مقالة في الثناء عليه، وحتى أشجع غيره من الكتاب على تناول القضية من مختلف جوانبها، أعرض هنا لجوانب أخرى لم أتطرق لها في مقالاتي السابقة، وقد نحتاج إلى (مائة عام) لنتعرف عليها إذا ما انكفأنا على أنفسنا واكتفينا بتجاربنا الذاتية التي لم تسعفنا حتى الآن، للأسف الشديد، في تجاوز بيع النفط الخام كمصدر وحيد للدخل والإنفاق.
والجوانب التي سأنبه لها هنا يمكن استشفافها من التجربة التي سأستعرضها في إنتاج الفوسفات في جزيرة (نارو)، ونارو لمن لا يعرفها هي جزيرة نائية صغيرة في المحيط الهادي تبلغ مساحتها (21) كيلومتراً مربعاً فقط، وهي قريبة من استراليا، وقد كان الفوسفات مصدر الدخل الوحيد لسكانها، وكان الألمان أول من بدأ اسغلاله فيها سنة 1908م عندما كانت تحت سيطرتهم، وما لبث الصراع بين الألمان والحلفاء أن انتهى بهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية لتدخل نارو تحت وصاية استراليا التي كانت تحت السيطرة البريطانية في ذلك الوقت ليتم استغلال فوسفات الجزيرة لصالح أستراليا على نطاق كبير حتى سنة 1968م حيث استقلت نارو كدولة لم تشتهر إلا منذ أمد قصير حين ورد اسمها ضمن قائمة أهم مواطن غسل الأموال القذرة في العالم ثم حين استضافت معسكرات مؤقتة للاجئين العراقيين والأكراد الذين يحاولون الهجرة إلى استراليا بطرق غير مشروعة. ورغم الصراعات على نارو بين القوى التي تصارعت عليها إلا أن أياً من تلك القوى لم يتوقف على مدى (90) عاماً عن استنفاذ أقصى ما يستطيع من خامات الفوسفات فيها بكميات كبيرة وصلت إلى مليوني طن في العام وتحول وسط الجزيرة الذي يمثل 80 في المائة من مساحتها إلى قيعان وأهوار تصل أعماقها إلى 75 قدماً في بعض المواقع وأصبح منظرها من الجو يشبه منظر القمر بفوهاته البركانية العميقة ولكنها براكين بفعل الإنسان لا بفعل الطبيعة، وهكذا لم يجد سكان الجزيرة بداً من التزاحم في العشرين بالمائة الباقية من أراضيهم التي هي مساحة الشريط الساحلي الضيق بعد أن أصبحت الحياة البشرية والطبيعية مستحيلة في وسط الجزيرة الذي فقد غلافه الترابي والنباتي وأصبحت الزراعة فيه مستحيلة مما أدى إلى ارتفاع في درجات حرارته فارتفعت درجات حرارة الهواء لتمنع السحب الممطرة من التكاثف في أجواء الجزيرة، وليضطر السكان لاستيراد كافة احتياجاتهم من المواد الغذائية وكانت نتيجة ذلك اعتمادهم إلى حد كبير على الأطعمة المحفوظة والمعلبة لترتفع لديهم معدلات ضغط الدم وتنتشر بينهم أمراض السكر والبدانة وتصلب الشرايين وتنخفض توقعات حياة الفرد منهم عند الولادة لتتراوح بين 50 إلى 60 عاماً.

ولم يتنبه سكان الجزيرة للكارثة التي توشك أن تحل بهم إلا منذ عهد قريب، فبمجرد استقلال بلادهم عن أستراليا سنة 1968م بدأوا بالاستمتاع بنقود الفوسفات التي لم يتذوقوا لها طعماً خلال فترات الاستعمار والوصاية حتى بلغ متوسط دخل الفرد السنوي في نارو عشرة آلاف دولار فبالغوا في التعدين وتصدير معظم الإنتاج إلى أستراليا التي تفتقر تربتها للخصوبة وتحتاج لمزيد من سماد الفوسفات، ولكن الفرحة لم تتم كما يقال فقد أوشكت احتياطيات الفوسفات في الجزيرة على النفاذ فأخذت حكومتها تدرس الحلول المتاحة أمامها فلم تجد غير طريق القضاء الدولي لترفع قضية على أستراليا أمام محكمة العدل الدولية تتهمها فيها باستغلال ثروات نارو لسنين طويلة بأسعار تقل كثيراً عن أسعار السوق العالمية ولكن أستراليا أثبتت للمحكمة أن ثلثي الكميات المنتجة والمصدرة لها من فوسفات الجزيرة كانت بعد الاستقلال وأن حكومة وطنية من الجزيرة كانت في السلطة ورغم ذلك فقد رأفت أستراليا بحال سكان الجزيرة وسوت قضيتهم ببعض التعويضات خارج نطاق المحكمة.
و بعد استنفاذ احتياطيات نارو من الفوسفات يجد سكانها الذين تضاعفت أعدادهم اليوم من ألفين إلى عشرة آلاف نسمة أنفسهم في مواجهة خيارين أحلاهما مر أولهما استيراد كميات من التراب والحصى لدفن مناطق تعدين الفوسفات المجرفة تمهيداً لاستعادة غطائها الطبيعي والنباتي واستعادة الحياة فيها، والخيار الثاني هو الهجرة إلى جزر أخرى مجاورة أو إلى استراليا ومن يقبلهم غيرها من الدول، وما غسلهم للأموال واستضافتهم للاجئين مقابل عوائد مالية سوى محاولات لتأجيل موعد الانهيار ولكن الاحتمال الأغلب أنهم سيرحلون في النهاية لاستحالة توفير الأموال الطائلة لاستيراد غطاء طبيعي جديد للجزيرة. ولقد كانت أول دول العالم استفادة من تجربة جزيرة نارو هي الولايات المتحدة الأمريكية التي أعد باحث منها هذه الدراسة التي أستعرضها، فبعد أن كانت الولايات المتحدة أكبر الدول المنتجة للفوسفات إلى عهد قريب أعادت النظر في خططها وصرفت النظر عن تطوير عمليات استكشاف جديدة للفوسفات تحسبا لردود فعل حكومات الولايات وجماعات حماية البيئة واستعاضت عن ذلك بالبحث عن مصادر عالمية تستورد احتياجاتها منها..
وبالطبع فإن تجربة جزيرة نارو تجربة فريدة من نوعها لأنها جزيرة صغيرة لا تتصل بأرض مفتوحة ولا يمكن مقارنتها بالتالي بمنطقة التعدين المقترحة في منطقة الحدود الشمالية من المملكة وذلك لأن المنطقة الشمالية متصلة بمناطق مفتوحة ومدن داخلية مزدهرة يمكن استيراد الأغذية منها ويمكن الهجرة إليها.
أميل برأسي دائماً الى طريف

نشرت عكاظ يوم السبت الماضي خبراً هذا نصّه ((استغل عدد من أهالي محافظة طريف لقاءهم بوكيل جامعة الحدود الشمالية الدكتور (عبد الرحمن ملاوي) الذي يزور المحافظة حاليا لعرض مطالبهم، والتي تركزت في افتتاح كليات لخدمة بنات وأبناء المحافظة. وأبدى المواطنون استياءهم من عدم افتتاح كليات في المحافظة التي يزيد عدد سكانها عن 50 ألف نسمة باستثناء كلية للمجتمع تمنح درجة الدبلوم)) وأوضح حمد العقيلي «كان من المقرر أن يكون هناك اجتماع مع وكيل الجامعة وعميد القبول والتسجيل إلا أننا فوجئنا بإلغاء الاجتماع دون توضيح الأسباب، لكننا حرصنا على لقاء وكيل الجامعة وسط الشارع بعد رفضهم مقابلة الإعلاميين وبعض الأهالي».
وطريف لمن لا يعرفها هي ليست مجرد مدينة صغيرة حسب التعريفات الرسمية، بل عروس بدوية جميلة حالمة تتطاير خصلات شعرها الحريري المتموّج بنفحات الخزامى العطرة لتتناثر على عدّة هضاب متلاصقة في الركن الشمالي الشرقي من المملكة مقابل مثلث الحدود السعودية – الأردنية – العراقية. وطريف عروس تحظى بقامة عالية ممشوقة يصل ارتفاعها إلى 850 متراً عن سطح البحر. وتوازي في علو قامتها جبال العاصمة الأردنية (عمّان – 800 – 1000م) وتتسامى لتزيد في ارتفاعها على العاصمة السورية (دمشق -600م) وبالطبع على ارتفاع العاصمة اللبنانية (بيروت) وبعض الجبال المحيطة بها. ولذلك تعوّض طريف محبيها عن قسوتها وتطرف مناخها الصحراوي البارد حدّ التجمّد في فصل الشتاء بجوّ معتدل جميل في ربيعها الملوّن بزهور الأقحوان والنباتات الطبية العطرية التي لا تنبت في أي مكان آخر في المملكة بالتنوع والكثافة التي تنبت فيها في طريف. أما صيفها فهو بديع معتدل خاصة (عندما يأتي المساء ونجوم الليل تظهر) فنسيم وديانها المتهادي على صفحات وجهها الجميل يهدهد محبيها بحنان ليناموا بعمق وسلام لا يقطعه هدير مكيف هواء أو مروحة كهربائية، ولا يعكر صفوه سوى أمر التعليم العالي الذي يشغل بال الكبار منهم خوفاً على مستقبل أبنائهم وبناتهم وخشية عليهم من التشرّد وقسوة الغربة القسرية المفروضة منذ الأزل على من يرغب من الأبناء والبنات في التعلّم على المستوى الجامعي. ففي دولة مثل المملكة العربية السعودية تنعم بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز – أيده الله - الذي جعل من التعليم أولوية الأولويات وخصص له النصيب الأكبر من ميزانيات الدولة منذ توليه مقاليد الحكم في البلاد، تبقى محافظة طريف التي يزيد عدد سكانها حالياً على (50) ألفاً، دون أي كلية جامعية على مستوى البكالوريوس، وكل ما لديها كلية خدمة مجتمع لا تمنح الدارسين فيها درجة أعلى من (الدبلوم) ليضطر الآباء إلى ابتعاث أبنائهم وبناتهم إلى مدن أخرى.
ورغم أن أهم قرار اتخذه خادم الحرمين الشريفين أثناء زيارته إلى (عرعر) عاصمة الحدود الشمالية صيف 1427هـ من وجهة نظر أهالي المنطقة تمثّل في إنشاء الجامعة السعودية التاسعة عشرة تحت مسمى جامعة الشمال ، إلا أن إدارة تلك الجامعة الوليدة تؤدي عملها وكأنما هي جامعة لمدينة عرعر فقط إضافة لكلية تم إنشاءها في رفحاء في وقت سابق قبل إنشاء الجامعة في تلك المدينة بسبب تواجد أعداد كبيرة من اللاجئين العراقيين في مخيم رفحاء كنتيجة لحرب تحرير الكويت.
ويوم إعلان جامعة الشمال الحكومية تصدى بعض رجال الأعمال في المنطقة للشأن التعليمي ليعلنوا من خلال تصريحات رنّانة لوسائل الأعلام – أثناء وجود الملك – عن نيتهم في إنشاء ثلاث كليات أهلية في طريف للعلوم الطبية التطبيقية، والحاسب الآلي، والعلوم الإدارية. ولكن مرّت السنة تلو الأخرى ولم يشهد أهل طريف افتتاح أي كلية جامعية أهلية كانت أو حكومية. وهاهم أهالي طريف يحاولون طرق كافة الأبواب لعل الله أن يجعل لهم قبولاً ويوجد لهم مخرجاً، وآخر جهودهم تمثلت في دعوة وكيل (جامعة الشمال) الدكتور (ملاوي) ومساعديه إلى طريف ليستمع إليهم ويسمعهم ما يمكن أن يمثل بارقة أمل لتحقيق مطالبهم، ولكن قبل الاجتماع بوجوه الأهالي تمّ إلغاء الاجتماع دون أي تفسيرات واضحة، حسبما ورد في عكاظ أعلاه، مما اضطر الأهالي لإيقافه في الشارع وإسماعه مطالبهم دون رغبة أو تجاوب منه. وبالطبع حينما يحاصر مسئول ليس لديه خطط محددة أو إجابات واضحة لتساؤلات المواطنين في حدود مسؤولياته، سيلجأ إلى تشغيل الاسطوانة القديمة المشروخة (سنقوم في المستقبل، وسنفعل في المستقبل، وسيكون في المستقبل) ولكن لسان حاله كان يقول أخلو سبيلي حتى أمرّ وإن عدت إليكم مرّة أخرى حاسبوني كما تشاءون.
وبصفتي الشخصية كواحد من ضحايا عجز التعليم عن مواكبة مراحله في طريف، ومن خلال تجربتي المريرة في الرحيل عنها بسنّ مبكرة جداً بغرض التعليم، مما أورثني غربة في نفسي أعاني منها وسط أهلي وأصدقائي حتى هذا اليوم ، وأورثني حباً لها يميل برأسي دائماً نحوها رغم انقطاع صلتي بها بوفاة والدي –يرحمه الله- سنة 1385هـ، ولعدم وجود مصلحة شخصية لي في طريف، أوجه النداء مخلصاً إلى صاحب السمو الأمير عبدالله بن مساعد آل سعود، أمير منطقة الحدود الشمالية، الذي عرفته صغيراً وكبيراً كما عرفه كافة أهل المنطقة بسعة الصدر والحكمة وحب العلم والتعليم والريادة في مساعدة الطلّاب المغتربين الذين كانوا يتوافدون على عرعر أيّام البدايات من كافة المحافظات والأرياف النائية لإكمال دراستهم، أناشده أن يشمل أهل طريف بعطفه وأن يوجه المسئولين في جامعة الشمال بسرعة تنفيذ بناء كلية جامعية واحدة على الأقل للبنين وأخرى للبنات في تخصص يتناسب مع طبيعة محافظة طريف ويفضل أن تكون في العلوم الطبية التطبيقية والصيدلانية، وذلك لتوفّر الأعشاب الطبية في مواسمها والبيئة الصحيّة المثالية لتدريس مثل هذه العلوم خاصة أن الكثيرين من أبناء المنطقة برعوا بشكل مميز في العلوم الصيدلانية ويعملون حالياً في مستشفيات ومراكز صحية كثيرة في مختلف مناطق المملكة. وأهالي طريف الذين يزيد تعدادهم على (50) ألف مواطن مازالوا يقاومون عاديات الزمان بثبات وشموخ منذ أن توقفت محطة ضخ النفط السعودي التي كانت تعتمد عليها طريف كأهم مورد اقتصادي عن العمل نتيجة لإلغاء خط أنابيب التابلاين الذي كان يستخدم في ضخ النفط نحو صيدا في لبنان. وأهالي طريف الذين عانوا من إغلاق منفذ الدميثة الحدودي بعد استبداله بمنفذي جديدة عرعر والحديثة، وأهالي طريف الذين تبخّر لديهم حلم توطين مصانع الفوسفات في منطقتهم بعد بناء سكّة حديد لنقله إلى (رأس الزور)، وأهل طريف الذين حذف اسم مدينتهم من نشرة الأحوال الجوية منذ أمد بعيد، مازالوا يصرّون على التشبث بمدينتهم التي لا يلامون في حبها، وهم لذلك يستحقون لفتة كريمة من أمير منطقتهم، ومن سمو وزير الشئون البلدية والقروية، ومن وزير التعليم العالي، ومن وزير التخطيط لتوطين التعليم الجامعي في محافظتهم، وتعزيزهم ببعض المشاريع التنموية التي تكفل مساهمتهم في تنمية بلادهم وهم في موقعهم الحدودي الاستراتيجي الهام الذي يتطلب الاستمرار فيه توفير عوامل جذب كافية توقف هجرتهم للداخل وتشجع على مزيد من الاستقرار وجذب مزيد من سكان العمق إليهم
وأخيراً..مدينة الوعد الاقتصادية في طريف

أكتب هذه المقالة والمشاعر تزاحم الأفكار في رأسي وقلبي ولذلك لا أظن بأنها ستكون منظمة فالعذر من القراء، فهذه المقالة كتبت في يوم عيد بالنسبة لي وهو يوم الاثنين 20 ربيع الأول 1433 هـ ذلك اليوم المشهود الذي تناقلت فيه وسائل الإعلام المحلية والعالمية موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعودعلى إنشاء مدينة "وعد الشمال للصناعات التعدينية" شمال شرق "مدينة طريف" على مساحة 440 كلم2 منها 150كلم2 لمشروع شركة معادن للصناعات الفوسفاتية ومشاريعها الأخرى المرتبطة به في منطقة "أم وعال" وستوفّر في المدينة كافة مقومات الصناعة والتنمية المستدامة لتوفير الفرص الوظيفية للشباب وتطوير المناطق النائية.
وبصفتي من أوائل من احتضنتهم طريف طفلاً قبل أن يغادرها صبياً يافعاً، وأول من دافع عن حقها بمجمع صناعي لثرواتها المعدنية ومدينة اقتصادية لتنميتها، لا أملك في هذه اللحظة التاريخية غير أن أرفع أسمى آيات التقدير والعرفان بالجميل لخادم الحرمين الشريفين على هذا القرار الذي أعاد الأمور إلى نصابها وأعاد الحقوق إلى أهلها وبعث الدفأ في أوصال جزء عزيز من بلادنا طالما تجمد لعقود عديدة من زمهرير الشتاء وزمهرير اليأس والانتظار.
ولأهلنا في طريف وفي منطقة الحدود الشمالية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ولأهلنا في الوطن السعودي من أقصاه إلى أقصاه، هنيئاً لنا بقيادة بلادنا الرشيدة التي لا تترك شاردة ولا واردة فيها خير للوطن والمواطن إلا وتتبناها بشكل ومعنى يفوق ما يتوقعه المواطنون.
فمدينة وعد الشمال لا تقتصر على شركة معادن ومصانعها ولكنها تتخطى بكثير حجم استثمارات شركة معادن ومشروعاتها التي يتوقع أن تبلغ 21 مليار ريال لتغطية تكاليف استخراج خام الفوسفات ومعالجته وإقامة 7 مصانع كبيرة بمقاييس عالمية وطاقة إنتاجية تبلغ 16 مليون طن سنوياً لإنتاج مركزات الفوسفات وحامض الكبريتيك وحامض الفوسفوريك، ومصانع لإنتاج آحادي وثنائي فوسفات الكالسيوم المستخدمة في صناعة الأعلاف الحيوانية، وكذلك مصانع لإنتاج حامض الفوسفوريك المركز المستخدم في الصناعات الغذائية، ومادة بولي فوسفات الصوديوم الثلاثية المستخدمة في صناعة المنظفات والاستخدام الصناعي.
والمهم في هذا المشروع العملاق هو عودة أرامكو السعودية مرة أخرى للمنطقة ولكن هذه المرة ليس بمضخة أو خط أنابيب فحسب، بل بقضها وقضيضها وخيلها ورجلها وغازها ونفطها وعلومها وتخصصاتها ما سينعكس على المنطقة إن شاء الله تقدماً ورخاء لم تشهد له من قبل مثيلا .
وهناك صندوق الاستثمارات العامة الذي سيرصد 4,5 مليار ريال لبناء وتوطيد البنية التحتية اللازمة لتوطين المشاريع بربط المدينة بسكة حديد الشمال - الجنوب بوصلة يصل طولها إلى 100 كيلو متر تقريباً، وتزويدها بالمقطورات المناسبة لنقل حامض الفوسفوريك والكبريت الخام ومنتجات المشروعات الأخرى من المدينة وإليها، وكذلك إنشاء محطة للركاب في المدينة الجديدة. كما سيتم توصيل المدينة بالشبكة الوطنية الكهربائية ذات الضغط العالي اللازم للصناعات المختلفة. ويتوقع أن تضيف المدينة باستكمال مشروعاتها سنة 2016م حوالي 15 مليار ريال سنوياً إلى الناتج المحلي. وتوفر ما لا يقل عن 20 فرصة استثمارية للقطاع الخاص وما لا يقل عن 2700 وظيفة مباشرة إضافة إلى أكثر من 22 ألف فرصة وظيفية غير مباشرة نأمل أن يخصص معظمها لمواطني المنطقة.
وبهذه المناسبة الطيبة أرفع الصوت بالنداء لخادم الحرمين الشريفين بأن يوجه بدراسة فكرة ربط المدينة الصناعية الجديدة بأحد موانئ البحر الأحمر الشمالية (الوجه أو ضبا) لمزيد من تعزيز التنمية الاقتصادية للشمال، والانسياب الآمن لصادراتنا التي يتوقع أن تكون متنوعة فيما بين نفط وغاز وأسمدة ومنتجات صناعية بعيداً عن مضيق هرمز وتهديدات الجارة المتنمرة بإغلاقه ..
ولأهلنا في طريف أقول حينما تبنيت مطالبكم بسلسلة من المقالات في عكاظ منذ سنة 1422 هـ بدءاً بمقالتي العاطفية التاريخية واسعة الانتشار "ما زلت أحمل دمعة الفراق يا طريف" مروراً بعدد من المقالات والمحاضرات المساندة على مدى أكثر من عقد من الزمان وانتهاء بمقالتي ومن بعدها محاضرتي في الغرفة التجارية في عرعر عن الاستثمار في منطقة الحدود الشمالية التي دعوت فيها صراحة لإنشاء "مدينة اقتصادية حرة" توظف الموارد المتاحة وتستفيد من الموقع الفريد الذي تتمتع به المنطقة بجوار عدد من الدول العربية الشمالية وذلك في نطاق حملة فردية لإقناع الجهات المختصة في بلادنا بضرورة إعادة النظر في قرار شركة معادن بتوطين كافة مشاريع الفوسفات بعيداً عن طريف.
ورغم الإهمال في التجاوب العلني مع مطالباتي من شركة معادن، وتخويف البعض لي، ممن لا يفهمون جوهر الحكم والحكام في بلادنا، من جراء التمادي في المطالبة، كنت أصر على موقفي وتصعيد المطالبات بكل ثقة وبسيل لا يتوقف من المقالات في عكاظ وبأحاديث صحفية لعدد من صحف المملكة الرائدة الأخرى لتتخطى الفوسفات إلى المطالبة ببناء "المدينة الاقتصادية" بالقرب من طريف في الحدود الشمالية.
واليوم يا أهلنا في طريف أبارك لكم اعتماد خادم الحرمين الشريفين لخطة تنمية للمنطقة تشمل مدينة اقتصادية لا ككل المدن بل هي جوهرة التاج في حجمها وتنوع صناعاتها وفرصها غير المحدودة وانفتاحها المتوقع على البلاد العربية الشمالية وأوربا والعالم.
وفي الختام، أقول لأهلنا في طريف وفي منطقة الحدود الشمالية بأن كرة التنمية في مرماكم الآن فلا تطوحوا بها بعيداً بل دعوها تتهادى حتى تصيب الهدف. وحافظوا عليها ولا تسمحوا لأحد باختطافها منكم وأخلصوا لها تخلص لكم ولأبنائكم ولأحفادكم من بعدكم. ولا يكون هذا إلا بالتعاون والابتعاد عن كل ما يعكر التكافل الاجتماعي والإنساني الذي عهدناه بكم، والتركيز على تربية وتعليم الأبناء وتسليحهم بكل ما يمكن من علوم وتخصصات عصرية حديثة تتناسب مع احتياجات مدينتكم الاقتصادية. وبهذا يتوقف الكلام ويبدأ العمل بجد واجتهاد وطوبي للصابرين والمثابرين.






