top of page

الاستثمار في المناطق الحدودية التجربة الأمريكية/ المكسيكية




بين استثمار الدول على جانبها من الحدود المشتركة أو نقل استثماراتها إلى الجانب الاخر في دولة أخرى تتوالى التجارب وتتراوح في نتائجها بين النجاح والفشل


ما زالت كثير من الدول الغنية الجاذبة للسكان التي تجاور دولاً فقيرة كثيرة السكان تنشئ على جانبها من الحدود معامل ومصانع من النوع الذي تكثف فيه الاعتماد على العمالة Labor Intensive مثل معامل النسيج والحياكة وخطوط التجميع والإنتاج الصناعية النمطية واليدوية وذلك للاستفادة من العمالة الرخيصة التي يسمح بدخولها أثناء ساعات عمل محددة إلى تلك المصانع والعودة إلى الجانب الآخر من الحدود بنهاية ساعات الدوام الرسمي دون تحمل أية مسؤوليات أو الالتزام بأية حقوق إضافية تجاه تلك العمالة مثل الإسكان والتدريب والخدمات الصحية والتأمينات الاجتماعية أو حتى حقوق الإقامة والجنسية والتنقل داخل البلاد.


ويؤخذ على هذا المدخل عدم انعكاسه الإيجابي على تنمية المناطق الحدودية لكلا الجانبين. فقد تبينت الدول الغنية أن استثمار شركاتها في مناطقها الحدودية في صناعات تعتمد أساساً على تشغيل العمالة الأجنبية الرخيصة لا ينعكس بالإيجاب على مواطنيها بسبب انخفاض مستوى الأجور والظروف المأساوية التي يقبل العمال الأجانب العيش في ظلها ولا يقبلها المواطنون، إضافة إلى تزايد حجم العمالة الأجنبية وتحول المناطق الحدودية المجاورة إلى مراكز جذب لسكان البلاد الأجنبية الفقيرة من مختلف مناطق بلادهم الداخلية ما أوجد لحكومات الدول المضيفة مصاعب كبيرة في السيطرة على النشاطات غير الشرعية المصاحبة لتزايد عدد السكان الأجانب الحدوديين مثل نشاطات الهجرة غير المشروعة وتهريب المخدرات وتزايد معدلات الجريمة.


أما حكومات الدول الفقيرة التي تصدر العمالة على الجانب الآخر من الحدود فقد وجدت نفسها أيضاً أمام مشكلات توفير الخدمات الأساسية كالتعليم وطرق المواصلات والاتصالات والعلاج للمواطنين الذين كانوا يتزايدون باستمرار ويعيشون في مستعمرات بشرية عشوائية تفتقر إلى توفر أدنى الاشتراطات البيئية المناسبة للحياة البشرية الكريمة في الوقت الذي كانت تستغل فيه مصانع ومعامل الدول الغنية المجاورة سكان هذه المستعمرات دون أي التزامات أخلاقية أو حقوق إنسانية. لذلك لجأت بعض تلك الدول إلى حماية مواطنيها باتخاذ عدة إجراءات قانونية واقتصادية من ضمنها منع مواطنيها من عبور خط الحدود للعمل فيما اعتبرته "حظائر الاستعباد" في الدول الغنية مع بذل الجهود وتوفير المتطلبات اللازمة لإقناع ملاك تلك المصانع والمعامل بنقلها إلى جانبها هي من الحدود مقابل إعفاء المواد والمكونات التي تدخل في صناعاتها من التعرفة الجمركية والضرائب المعمول بها في تلك الدول الفقيرة شريطة أن يتم تصدير المنتجات المصنعة إلى بلاد المستثمرين أو إلى أية بلاد أخري.


وبهذا ولد مدخل آخر للاستثمار في المناطق الحدودية بين الدول الغنية والفقيرة. ومن الأمثلة الحية على هذا التحول في اتجاهات التنمية في المناطق الحدودية ما كان يجري في الحدود الأمريكية المكسيكية. فقد نفذت الحكومة الأمريكية على جانبها من الحدود الأمريكية/ المكسيكية في فترة الخمسينيات برنامجاً عرف باسم Bracero[1] لتوطين عدد من الصناعات الأمريكية التي تكثف الاعتماد على العمالة. ولكن الحكومة الأمريكية ما لبثت أن ألغت البرنامج بسبب تزايد معدلات الهجرة غير المشروعة والنشاطات المشبوهة الأخرى فلجأت الحكومة المكسيكية سنة 1965م إلى الاستفادة من التجمع العمالي الهائل لمواطنيها قرب خط الحدود المشتركة للبلدين باستحداث برنامج استثماري آخر عرف باسم maquiladora[2] سمحت بموجبه للمستثمرين الأمريكيين بنقل المعامل والمصانع التي كان العمال المكسيكيون يعملون بها من الجانب الأمريكي إلى الجانب المكسيكي من الحدود مع السماح لهم بإدخال مكونات ومواد تلك الصناعات معفاة من التعرفة الجمركية والرسوم حتى مسافة عشرين كيلومتراً داخل الأراضي المكسيكية شريطة أن تتم إعادة تصدير المنتجات النهائية للمعامل والمصانع الأمريكية المعاد توطينها.


وقد نجح المدخل الجديد إلى حد كبير في زيادة عدد المصانع المكسيكية في المنطقة الحدودية من 72 مصنعاً توظف أربعة آلاف عامل سنة 1976م إلى 1954 مصنعاً توظف 489 ألف عامل سنة 1992م وشكلت صادرات هذه المصانع 80% من إجمالي صادرات المكسيك وأصبحت عائداتها تمثل ثاني اكبر مصدر للعملات الأجنبية في البلاد بعد البترول ما ساهم إلى حد بعيد في تخفيض حجم الدين المكسيكي العام.


ورغم نجاح هذا المدخل في تنمية المناطق الحدودية المكسيكية إلا أن آثاره الجانبية بالنسبة للأمريكيين وأهمها ارتفاع أجور العمال المكسيكيين بسبب استعادتهم لجزء من حقوقهم المتمثلة في الخدمات الأساسية دفع بالعديد من المستثمرين الأمريكان لنقل أعمالهم إلى دول تمنحهم مزيداً من المزايا وتوفر لهم عمالة أرخص خاصة في الصناعات التي تتطلب مهارات فنية متوسطة المستوى.



ولذلك وقعت الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك اتفاقية نافتا NAFTA لإنشاء منطقة تجارية حرة لأمريكا الشمالية تضمن في النهاية انسياب حركة العمالة ورؤوس الأموال بين البلدان الثلاثة. وكان من الممكن ان تؤثر نافتا بشكل سلبي على الاستثمار في المناطق الحدودية لما توفره من حرية أكبر في توطين الصناعات بمقارنة متغيرات اقتصادية واجتماعية كثيرة تتخطى الحدود ومفاهيم السيادة التقليدية، الا أن التعديلات الجوهرية التي ادخلها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عليها فيما بعد تكاد تجهضها وتعيد البريق مجدداً للاستثمار فيما وراء الحدود.


ورغم الحالة الخاصة لمناطق الحدود الأمريكية/ المكسيكية إلا أن كثيراً من الدول والتجمعات الإقليمية الغنية تعتبر الاستثمار المشترك في دول الجوار الفقيرة لتنمية المناطق الحدودية المشتركة أو القريبة منها هو الأسلوب الأمثل بالنسبة للدول المتجاورة شريطة استنفاد استثمار الإمكانات التنموية الذاتية. ومن هذا المنطلق لجأت كثير من دول العالم التي تعاني من ضغوط هجرة أعداد كبيرة من مواطني جيرانها الفقراء إليها إلى توطين بعض صناعاتها على الجانب الآخر من الحدود. ومن هذه الدول أسبانيا التي وطنت ستمائة مؤسسة إنتاجية على الشاطئ المغربي من جبل طارق لتصبح ثاني أكبر شريك تجاري للمغرب بعد فرنسا. ومنها فرنسا التي تفكر بنقل بعض صناعاتها الثقيلة مثل صناعة السيارات إلى الجزائر متى ما توفرت الاشتراطات الأمنية والمتطلبات الاستثمارية اللازمة لذلك. كما أن هناك دولاً صناعية أوربية وآسيوية نقلت أو تفكر بنقل بعض صناعاتها إلى دول إفريقية وآسيوية أخرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ [1]تعريف قاموس وبستر بالانجليزية Spanish, laborer, from brazo arm, from latin braccchium First Known Use: 1920 وتعني العامل أو الأجير [2]تعريف قاموس وبستربالانجليزية Mexican Spanish (planta, empresa) maquiladora, from maquilar to process (material) for a fee, from maquila processing fee, multure, from Spanish, multure, from Arabic dialect makīla measure of grain First Known Use: 1976 وهي كلمة تعني معمل حيث يعمل الناس بأجر وهي مشتقة من كلمة (مكيال) العربية. ولربما كانت العلاقة هنا أن الأجر كان يدفع كيلاً لهؤلاء القادمين من الأنلس بعد سقوطها وترحيلهم قسرا لاستعمار العالم الجديد.

يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page