البعد العالمي والإنساني في العمل الخيري
- د. علي التواتي
- Jun 24, 2023
- 6 min read
Updated: Jun 30, 2023
لقد رأينا ومازلنا نرى ما حققته عمليات الإخلاء من السودان من تعزيز للمكانة الرفيعة التي حققتها المملكة على مستوى العالم. رأينا ذلك في برقيات وتصريحات كافة زعماء العالم بمن فيهم زعماء دول كبرى وهي تتوالى وتضج بها وسائل الاعلام العالمية بالشكر والثناء والأمنيات الطيبة للمملكة وقيادتها وشعبها

على إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م وبدعوى استخدامها كقنوات لتمويل الإرهاب، تنادى بعض الكتاب والمحسنين وبعض المسئولين في بعض الدول العربية والاسلامية لإيقاف نشاطات جمعياتها الخيرية في الخارج والتركيز على فقراء الداخل من منطلق أن الأقربين أولى بالمعروف وأننا بغنى عن كل هذا الاستهداف لقيامنا بأعمال خيرية للأخرين بسبب الهجمة الشرسة المستمرة على جمعياتنا التي تقدم خدمات عالمية.

ولقد أبديت حينها التخوف من هذا التوجه العام للانكفاء والتخلي عن الاف ملايين الفقراء والمحتاجين الذين نساندهم من خلال تلك الجمعيات في مختلف أرجاء العالم. فمع علمي بأنه لا يختلف اثنان على أن الأقربين أولى بالمعروف، إلا أن ذلك لا يتعارض مع استمرار الجمعيات الخيرية بأداء دورها الإنساني العالمي، بل أن استمرارها في أداء ذلك الدور وتطويره أصبح ضرورة أخلاقية ومطلباً عقائدياً ومبدئياً ملحاً لأن الأمة الإسلامية تمر منذ مطلع الألفية الحالية بظروف استثنائية تبدو فيها أي دعوة للانكفاء إلى الداخل وكأنها ردة فعل انهزامية واعتراف عملي وقبول بكافة التهم التي تحاول بعض الجهات إلصاقها بالمسلمين. فالإسلام متهم بالإرهاب والمسلمون مطاردون في كل مكان والهجمة الشرسة على فروع الجمعيات الخيرية العربية والإسلامية في الخارج مركزة وقوية والهدف النهائي من ورائها معروف وهو تجفيف منابع الخير تحت شعار تجفيف منابع تمويل الإرهاب، وقطع العون عن كل معوز على هذه الأرض بكف يد الإحسان المسلمة عن الامتداد له بالعون حتى لا يحلموا بالمساعدة من مصدر آخر غير البعثات التبشيرية بشروطها العقائدية المعروفة ومن مؤسسات الإقراض والعون الغربية بشروطها السياسية المعروفة أيضاً.

وفي هذا الاتجاه، دعوت منذ البداية إلى إعادة النظر في الدور الذي تقوم به الفروع الدولية للجمعيات الخيرية الإسلامية وأساليب تقديمها للإعانات على المستوى العالمي بتغليب أسلوب المشاريع المنفذة والمساعدات العينية على أسلوب التحويلات النقدية للتأكد من إنفاق تلك الإعانات في المصارف التي خصصت لها، كما دعوت لتطوير دور تلك الجمعيات لتقدم خدماتها لمن يحتاجها من غير المسلمين أيضاً، والوجوه الحديثة لمثل هذا الدور متعددة منها على مستوى المؤسسات ما يقوم به مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الانسانية، ومن قبله البنك الإسلامي للتنمية، والصندوق الكويتي لتنمية الدول العربية. ومنها على المستوى الفردي ما كان يقوم به الدكتور حسان رفة وفريقه الطبي من عمليات جراحية في القلب في العديد من الدول الآسيوية والإفريقية الفقيرة لكل من يحتاجها دون تمييز وبنفس الطريقة التي تقدمها بها الجمعية الفرنسية (أطباء بلا حدود) التي فازت بجائزة نوبل للسلام منذ عدة سنوات.

العلاج الطبي من خدمات مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الانسانية
وبالتالي فإن ما يدعو للاعتزاز بالقادة السعوديين هو تعاملهم على قدر كبير من المسؤولية التاريخية الملقاة على عواتقهم في عمل الخير بعدم الاستجابة للضغوط والتخلي عن جانب مهم من جوانب البناء في الحضارة الإنسانية، بل تشبثوا بدورهم الإنساني بقوة، ولم يتخلوا عن مواقعهم ومكتسبات بلادهم الانسانية التي حققوها على مدى سنوات طوال من الجهد المضني والتفاعل المثمر مع كافة الشعوب في مختلف أنحاء العالم بتخصيص ما يصل الى ٥٪ من الناتج الوطني كأعلى نسبة تخصصها أي دولة في العالم للعمل الخيري، حتى أصبحت للجمعيات السعودية ومراكزها الخيرية مكانة لا تحتلها أي جمعيات أخرى في نفوس من تصلهم خدماتها. ولقد تحقق لهم ذلك من خلال التعامل بحنكة وهدوء مع النقد الموجه لجمعياتنا الخيرية في مسيرة عملها الخيري في الخارج بانفتاح، والاستفادة منه في تنقية العمل الخيري من اية شوائب، والتعرف على مواطن الخلل، وتعديل الأخطاء، لضمان الاستمرار بالدور الإنساني البناء.

ومن الأدوار الممكنة للجمعيات أيضاً تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، واستضافتهم في الأعياد والمناسبات العامة والخيرية ومشاركتهم في مناسباتهم، ومنها تقديم المساعدات الغذائية وخدمات الإيواء للجميع في حالات الكوارث والمجاعات ..

والحقيقة أن مساعدة المسلم للآخرين من أهل الذمة والمستأمنين لم تكن جديدة بل هي قديمة قدم الإسلام نفسه والجود متأصل في جذور الإسلام تأصله في نفس نبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم الذي كان أجود الناس ولم يقتصر جوده على المسلمين فقط دون غيرهم فقد (رأى يهودي النبي صلى الله عليه وسلم وعليه قميصان فقال يا محمد أعطني قميصاً فنزع له أجودهما فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله هلا أعطيته الأردأ فقال أن ديننا الحنيفة السمحة لا شح فيها كسوته أفضل القميصين ليكون أرغب له في الإسلام)
وهاهي أم المؤمنين وأمنا ـ إن شاء الله ـ صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها وأرضاها زوج رسول الله التي هداها الله للإسلام تصل أقاربها من اليهود في حياته وبعد وفاته عليه السلام فيسألها عمر رضي الله عنه عن ذلك فتجيبه (إن لي فيهم رحماً فأنا أصلها) فلم ينكر عليها ذلك بل أن من بعده لم ينكروا عليها وصيتها بثلث مالها بعد وفاتها سنة خمسين هجرية لابن أختها وكان يهودياً.
وهاهو الفاروق عمر نفسه يهتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيأتلف قلوب غير المسلمين ويفرض لهم الفرائض لإعانتهم على مواجهة تكاليف الحياة خاصة في حالات العجز والهرم، وما قصة اليهودي العجوز الذي فرض له عطاء من بيت مال المسلمين ومقولته الشهيرة (ما أنصفناه إذا أخذنا منه الجزية شاباً ثم نخذله عند الهرم) سوى مثال صارخ آخر على سماحة الإسلام وجود المسلمين.
والأمثلة عبر التاريخ الإسلامي كثيرة من أهمها دخول معظم أقباط مصر في الإسلام طمعاً في سماحته حتى خوت خزائن بيت مال مصر من الأموال فكتب عاملها بالأمر إلى الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبدالعزيز وحذره من أن إسلام معظم أولئك قد يكون تهرباً من دفع الجزية فأمره الخليفة بالرغم من ذلك بإسقاطها لأن لا أحد يطلع على القلوب إلا الله ولأن الله لم يبعث محمداً صلى الله عليه وسلم جابياً بل هادياً وبشيرا. ومن أهم الأمثلة التاريخية أيضاً دخول الإسلام إلى أفريقيا السوداء واندونيسيا ودول شرق آسيا دون حرب أو قتال بل بفضل القدوة الحسنة التي كانت لشعوبها من الرحالة والتجار المسلمين.







