top of page

الخوبة.. حلم تحول الى كابوس

  • Jun 20, 2023
  • 4 min read



في تجربة الخوبة التاريخية درس عملي في اقتصاد الأرياف والمناطق الحدودية قدّمه قرويون بسطاء لا يجيدون القراءة والكتابة ولا فهم تعقيدات السيادة والحدود، ولكنهم عرفوا كيف يتجاوزون مالا يفهمون الى ما يفهمون. وفي تجربة الخوبة صمود وكفاح في وجه مختلف الرياح والأعاصير عبر الأزمان ما أوصل التجربة الينا صادقة عملية شفافة شفافية نفوس القرويين البسطاء الذين حافظوا عليها



الخوبة قرية سعودية صغيرة حالمة من قرى مقاطعة الحرث في منطقة جازان. ولا يفصلها عن اليمن سوى حاجز تفتيش أمني صغير. ولا أعلم من أين أتت هذه القرية باسمها ولكن يبدو أنها أخذته من امتلائها بالمياه التي تنحدر عليها من السفوح الشمالية لجبال (رازح) في مواسم الأمطار لتجعل المرور فيها صعبا.


ويمضي كل شيء عادياً في هذه القرية حتى تشرق شمس الخميس من كل أسبوع عندما يرفع حرس الحدود السعوديون الحاجز الأمني بعد صلاة الفجر مباشرة لتندفع جموع القرويين اليمنيين من القرى الحدودية المجاورة نحو الخوبة في مشهد ولا أروع، وهم يسوقون مواشيهم ويحملون بضائعهم التي يودون المتاجرة بها ليستقبلهم إخوانهم السعوديون بما يحملون هم أيضاً من بضائع وحاجيات ليعقدوا سوقهم الأسبوعية التي اعتادوا عقدها كل يوم خميس منذ القدم عبر الأزمان والعصور.



وهذه السوق حرة ودولية بكل ما تعنيه الكلمة. فهي حرة من حيث عدم وجود تعرفة جمركية أو رسم مرور أو أية مكوس أخرى تفرض على البضائع أو الأشخاص فيها. وهي دولية لأنها تعقد بين مواطني دولتين من الدول ذات السيادة على أرض إحداهما بينما تجلب السلع التي يتاجر بها الطرفان من أقطار عديدة.



ولا يقتصر ارتياد هذه السوق على أهالي الخوبة ومنطقة جازان فحسب، بل ترتادها أعداد كبيرة من أهالي المنطقة الجنوبية والأجانب المقيمين فيها والسياح الذين تجتذبهم الخيارات السلعية المتوفرة في هذه السوق والتي يندر أن تجتمع في مكان آخر. فبالإضافة إلى الأواني التراثية تجد البن اليمني الخولاني والهرري والبري الفاخر والأعشاب الطبية والعطرية والفواكه الجبلية والمواشي اليمنية والصومالية ومنتجات عديدة من دول القرن الإفريقي الأخرى إضافة إلى الطيور الغريبة والحيوانات البرية النادرة. في حين يعرض السعوديون بضائعهم المطلوبة من الجانب اليمني وهي خليط من السلع المصنعة محليا والبضائع والأرزاق المستوردة.




وكل هذه المزايا لا تعني بأن السوق وجوارها لم تخل من منغصات أمنية متوقعة عبر تاريخها الطويل. وكان من أهمها التهريب بكل الوسائل الممكنة التي كان من أغربها التهريب باستخدام الحمير. وهذه الحمير، كما يصفها البعض، شياطين تسكن أجساد حمير، فهي مدربة على عبور الحدود والتسلل عبر المسالك الجبلية الوعرة بين بن نقطتين محددتين تقع احداهما في المملكة والأخرى في اليمن دون قائد أو دليل. وتتميز بالقدرة على تجنب النقاط الحدودية والسكون في الظلام، إذا ما أحست بحركة. وتسخر هذه الحمير من قبل بعض ضعاف النفوس على جانبي الحدود في تهريب بضائع ممنوعة أو في التهرب من دفع التعرفة الجمركية في المعابر الحدودية لأنواع من البضائع الغالية الثمن، ما تسبب في ظهور سوق رائجة لهذه الحمير المدربة العجيبة التي نفت عن الحمير تهمة الغباء.



ورغم المنغصات الأمنية، إلا أن بلدية جازان راعت الوضع التاريخي والاجتماعي الخاص لسوق الخوبة فقررت، من خلال لجان خاصة شكلتها بغرض النظر في العمق الكافي للسيطرة الأمنية عليها، إزاحتها للداخل قليلاً وإعادة تنظيمها بشكل يضمن مراقبتها من الجهات المعنية.


ولكن طرأت في السنوات القليلة الماضية منغصات غير معتادة لم تكن في الحسبان وصلت حدّ تهديد الأمن الوطني السعودي. فبعد أن كانت سوق الخوبة وغيرها من أسواق المنطقة اشبه ما تكون بمهرجانات أسبوعية للمحبة والألفة بين مواطني دولتين عربيتين شقيقتين تجمعهما حدود مشتركة ولغة واحدة ودين واحد وتاريخ مشترك، امتدت يد الشرّ الآثمة سنة 2009 للأراضي السعودية ضاربة بكافة الاعتبارات عبر الحائط باستغلال هذه المنافذ ومعرفتها الجيدة بمسالكها استغلالا اجراميا مدفوعة بأحقاد طائفية وبتحريض من قوى إقليمية وأجنبية لتعمل في القرى الحدودية على الجانب السعودي بما فيها الخوبة هدماً ونهباً وقتلاً دون أدنى إحساس بالإثم أو بأية روابط دينية أو عرقية أو حتى حسن جوار. وبالطبع لم يستمر ذلك كثيراً فقد تمكنت القوات المسلحة السعودية من القضاء على المتسللين وحرّمت تواجدهم على مسافة تزيد على 30 كلم داخل حدود بلادهم.



والخوبة ليست القرية الحدودية الوحيدة في الجنوب السعودي بصفة خاصة وفي باقي مناطق المملكة الحدودية بصفة عامة التي تعقد فيها مثل هذه السوق. فهناك قرى ومنافذ حدودية أخرى في منطقتي جازان ونجران وفي المنطقة الشرقية والشمالية الشرقية أيضاً. ولكن للخوبة مذاق خاص ربما لموقعها المتميز في أحضان الجبال أو لموافقة عقد سوقها لعطلة نهاية الأسبوع قبل تغيير موعدها أو لأنها أكثر الأسواق وضوحاً واستمرارية.



ولتطوير هذه السوق وما شابهها من الأسواق والمنافذ الحدودية، اذا ما تقرر استمرارها، بين الدول العربية المتجاورة، أرى أن يعاد توطينها في مواقع مختارة جديدة يتوفر فيها عمق أكبر نحو الداخل لحماية حرم الحدود والإبقاء على منطقة مكشوفة كافية تسمح بحرية الحركة والمناورة لقوات الأمن وحرس الحدود، وذلك لتوفير ضمانة لمراقبة أعمال التهريب والتسلل غير المشروعة على جانبي الحدود.


ويمكن عندها تجهيز تلك الأسواق تجهيزاً متكاملاً لاستقبال المتسوقين من الجانبين. على أن تشكل لها إدارة وسلطة أمن خاصة من الدول التي تستضيفها وتوضع ضوابط لأنواع البضائع التي يمكن تبادلها فيها وتعفى مبيعاتها المنتجات المحلية من الضرائب والرسوم.


وما أجمل أن نرى سلسلة من هذه الأسواق على كافة حدود المملكة المشتركة مع كافة الدول الشقيقة المجاورة كسوق الخميس في القطيف أو حتى على كافة حدود الدول العربية المتجاورة كخطوة أولية في سبيل التكامل الاقتصادي العربي المنشود. وذلك لأن القرى الحدودية تعتبر نائية بالنسبة لعواصم بلادها وفي انفتاحها الاقتصادي والاجتماعي على دول الجوار يمكن أن تستفيد مختلف الأطراف ومنها على وجه الخصوص تلك التي تتبع دولاً فقيرة وتجاور دولاً أحسن حالاً.


في تجربة الخوبة التاريخية درس عملي في اقتصاد الأرياف والمناطق الحدودية يقدمه قرويون بسطاء لا يجيدون القراءة والكتابة ولا فهم تعقيدات السيادة والحدود، ولكنهم عرفوا كيف يتجاوزون مالا يفهمون الى ما يفهمون. وفي تجربة الخوبة صمود وكفاح في وجه مختلف الرياح والأعاصير عبر الأزمان ما أوصل التجربة الينا صادقة شفافة شفافية أرواح القرويين البسطاء الذين حافظوا عليها.

وفي تجربة الخوبة أيضاً درس مبدئي مجاني تقدمه المملكة كدولة اقليمية كبيرة في علاقاتها مع دول الجوار العربي في الترفع عن الصغائر والنأي بالخلافات السياسية الوقتية والتعقيدات البيروقراطية عن التأثير على مبدأ التكافل والإحسان إلى الجار ذي القربى والجار الجنب.


ادرسوا تجربة الخوبة الناجحة وعمموها على كافة الحدود المشتركة بين مختلف الأقطار في الوطن العربي الكبير لتتمكنوا من وضع أول لبنة صلبة في قاعدة بناء التكامل الاقتصادي العربي ما لم يكن لأعضاء اللجان الاقتصادية في جامعة الدول العربية والمشرفين على منطقة التجارة العربية الحرة رأي آخر.

يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page