top of page

الفراشات الملكية والذرة القاتلة

Updated: Jun 30, 2023



تأسر الفراشات الملكية الباب الناس كباراً وصغاراً بجمالها الأخاذ وهي تتطاير وتحط متهادية بين الحقول مع نسنسات النسمات الربيعية الحالمة على وريقات الأزهار والشجيرات بخفة ورشاقة تتماوج فيها الألوان البديعة مع نفحات أريج أنفاس الزهور والنباتات البرية العطرة في تناغم وتكامل مع الطبيعة الساحرة لتضيف عليها حياةً ورونقاً وبهاءً تعجز الكلمات عن وصفه فتبارك الله أحسن الخالقين



قد تبدو عبارة (الفراشات الملكية والذرة القاتلة) لأول وهلة وكأنها عنوان لحكاية اسطورية أو فيلم مرعب من أفلام هوليوود ولكنها ليست كذلك للأسف الشديد فهي عبارة تصف واقعاً مريراً نعيشه اليوم ولا نعلم كيف سيعيشه أبناؤنا غداً. واقع يضعنا على أعتاب عصر جديد أخشى أن يجمح فيه العلم ويَضِلُ فيه العلماء ويُضِلّون.


فالفراشات الملكية Monarch Butterflies التي سميت بهذا الإسم تشبيهاً لها بالملك (وليم) ملك البرتغال فيها الكثير من اسمها فقد حباها الله بصفات نادرة فهي من أكبر وأجمل الفراشات التي تستوطن أمريكا الشمالية.وهي كالطيور تهاجر كل عام من موطنها الأصلي المكسيك الى براري الشمال الأمريكي عند اقتراب الصيف واعتدال الجو في شمال القارة لتعود مع حلول الشتاء الى موطنها قاطعة مسافة تزيد على ثلاثة الآف ميل في رحلتي الذهاب والعودة. والملفت في عودتها الى موطنها هو ليس مجرد العودة الى نفس المكان الذي هاجرت منه فحسب ولكنه في عودتها الى نفس الشجرة التي كانت تقيم عليها قبل الهجرة في كثير من الأحيان.



وتتخذ الفراشات الملكية من المنطقة التي تعرف باسم (حزام الذرة)[1] والتي تشمل جزءاً من جنوب كندا اضافة الى تسع ولايات متجاورة من ولايات الغرب الأوسط الأمريكي مقراً صيفياً لتتكاثر فيه ولتستمتع بدفء الجو ولتأسر الباب الناس كباراً وصغاراً بجمالها الأخاذ وهي تتطاير وتحط متهادية بين الحقول مع نسنسات النسمات الربيعية الحالمة على وريقات الأزهار والشجيرات بخفة ورشاقة تتماوج فيها الألوان البديعة مع نفحات أريج أنفاس الزهور والنباتات البرية العطرة في تناغم وتكامل مع الطبيعة الساحرة لتضيف عليها حياةً ورونقاً وبهاءً تعجز الكلمات عن وصفه فتبارك الله أحسن الخالقين. وقد هدى الخالق جلت قدرته يرقات الملكات الى ان تتغذى أثناء نموها على غذاء واحد فقط هو عشبة تعرف في الولايات المتحدة باسم عشبة الحليب Milkweedالسامة التي تنمو بكثرة حول حقول الذرة الأمريكية. وتساعد هذه العشبة الملكات ويرقاتها على انتاج مادة كيميائية سامة تحميها من اقتراب الطيور منها. فالطير الذي يأكل فراشة أو يرقة من يرقات هذه الفراشات يمرض ويذبل ويتعلم ان كتبت له النجاة الا يجرؤ على ذلك مرة أخرى. وهذا ما لاحظه نوع آخر من الفراشات يسمونها هناك باسم نائبات الملكات Viceroy Butterflies والتي كانت تعتبر طعاماً مفضلاً للطيور في الماضي حتى اهتدت الى التغذي على نفس العشبة التي تتغذى عليها الملكات ولتنتج نفس المادة الكيميائية الواقية مقررة للإنسان حقيقة قررها الله عز وجل للعالمين في كتابه الكريم منذ أمد طويل وهي أن الكائنات التي تشاركنا الحياة في هذا الكون أمم أمثالنا (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيئ ثم الى ربهم يحشرون) ولنتعلم منها ان التعلم بالتقليد والمحاكاة ليس ظاهرة انسانية فحسب انما هو ظاهرة كونية تشترك فيها كثير من الكائنات.



ولقد لاحظ علماء الحياة الفطرية في السنوات الأخيرة انخفاض أعداد الملكات التي تعود الى موطنها المكسيكي من الولايات المتحدة ليصلوا بعد بحث مكثف الى ان اعداداً متزايدة من هذه الفراشات تموت اثناء نموها وهي في طور اليرقات في براري الأعشاب التي تتغذى عليها. وهذا ما دفع بفريق من الباحثين في جامعة كورنيل الشهيرة في نيويورك الى اجراء تجارب معملية لتقصي أسباب المشكلة بأخذ عينة من يرقات الملكات وتغذيتها في المعمل على عشبة الحليب المأخوذة من البراري المحيطة بحقول الذرة لمدة أربعة أيام. وكانت النتائج التي تم نشرها في مجلة الطبيعة Nature يوم (20 مايو 1999م) بمثابة الصدمة للعلماء وللعالم أجمع حيث أن حوالي نصف العينة من اليرقات مات بنهاية اليوم الرابع من التجربة أما البقية التي لم تمت فقد تبين أنها اكلت كمية أقل من العشبة ونمت الى أحجام اصغر من المعتاد. وتوقع بعض العلماء ان باقي العينة كان يمكن أن يموت لو استمرت التجربة مدة أطول. وبعد بحث وتمحيص تبين أن تلك الأعشاب كانت ملوثة بغبار الطلع أو اللقاح Pollen الذي تطاير عليها بفعل الرياح من شجيرات الذرة المزروعة بالحقول المجاورة. وتكمن خطورة هذه النتيجة في أن هذه الذرة ليست ذرة عادية فهي ذرة مهجنة تعرف باسم (ذرة البي تي Bt corn ). وذرة البي تي هذه تم تطويرها باستخدام أساليب الهندسة الجينية genetic engineering لتحمل جينة من بكتيريا معروفة باسم Bacillus tharingiensis (Bt). ويتمثل دور هذه الجينة بأنها توجه الذرة التي تحملها لإنتاج بروتين سام يقضي على دودة الذرة الأوربية European corn borer (ECB) في حال محاولتها التغذي على أي جزء من أجزاء شجيرة الذرة التي تحملها دون أن تسبب كما هو مفترض أي ضرر على صحة الإنسان اوالأحياء الأخرى أو البيئة المحيطة.


لذلك كانت نتائج بحث علماء جامعة كورنيل بتوجيه الإتهام مباشرة الى جينة البي تي في قتل يرقات الملكات بمثابة جرس الإنذار بأن النتائج السلبية أو الإيجابية التي تترتب على التعديلات الوراثية على أي نوع من الكائنات الحية قد تتخطى الأبعاد المرسومة لها أو المرغوبة منها أساساً الى أبعاد خارجة عن نطاق السيطرة أو الإرادة. وهذا ما حدا بالعديد من أنصار البيئة والمحافظين الى تسمية الأطعمة المحسنة باستخدام اساليب الهندسة الجينية باسم أطعمة فرانكنشتاين Frankenstein على اسم بطل رواية الخيال العلمي الذي حاول تركيب انسان من أجزاء مختلفة فكانت النتيجة التي جنتها يداه وحشاً قام بقتل العالم نفسه. وتنتج بعض الدول الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة أصنافاً أخرى من المحاصيل باستخدام الهندسة الجينية منها البطاطس والطماطم وحبوب زيت الصويا وغيرها من المحاصبل والنباتات الأخرى.

فما هي الهندسة الجينية ومن أين أتت والى أين تتجه وما هي فوائدها وأضرارها وماذا ستفعل بنا؟ هذه بعض من أسئلة كثيرة تحتاج الى اجابات. والإجابات لن تكون كلها هنا ولن تكون في أي مكان آخر ولربما سيمر وقت طويل قبل أن تكتمل الإجابة على كافة التساؤلات.


الموضوع معقد من الناحية العلمية وفيه كثير من التداخلات والمصطلحات العلمية والتاريخية والمبتكرة والتي لن أغوص فيها وأفضل أن أتركها لخبير. انما ما يهمنا منها هنا هو ان نحاول تتبع بعض تطوراتها ونفرق بين بعض مصطلحاتها التي تساعدنا في فهم ما يدور حولنا ويؤثر في مجريات حياتنا. والقصة حديثة لا زالت تحبو في طور النمو ولا يزيد عمرها عن خمس وعشرون سنة وتندرج تحت مصطلح التكنولوجيا الحيوية Biotechnology المتفرعة أساساً من علم الأحياء Biology وإن كانت جذورها تضرب بعيداً في أعماق الزمن منذ أن تآلف نوع من الأعشاب يسمى (عشب الماعز) مع القمح البري منذ حوالي عشرة الآف سنة لينتج فصيلة مختلطة مخصبة جديدة قابلة للزراعة والنقل سميت إمر emmer . وفي عالم الحيوان قدم أجدادنا الأوائل في بلاد العرب للناس في العالم القديم أول تقنية عرفها الإنسان في تهجين الخيل لإنتاج فصائل مختلفة منها لمختلف الأغراض نقلتها عنهم باقي الشعوب في تهجين حيوانات أخرى لأغراض أخرى. ونفس هذه التقنيات كانت وراء انتاج الأغنام اللاحمة واغنام الصوف والطيور الداجنة اللاحمة والبياضة كما كانت وراء انتاج القمح والرز المحسن وغيرها من المحاصيل والنباتات التي تم انتاجها في فترة الستينيات والتي فجرت امكانات الإنتاج الزراعي الغزير فيما عرف باسم الثورة الزراعية.



ولكن كل تلك التقنيات والممارسات لم تتدخل في التركيب العضوي الداخلي للفصائل الداخلة في عملية التهجبن أو المهجنة انما تمت من خلال التوفيق بينها وانتظار النتائج التي لم تكن تظهر دائماً بالشكل الذي أريد لها أن تظهر فيه ليستغرق العلماء وقتاً طويلاً في عمل التجارب واعادة التجارب وليبذلوا جهوداَ اضافية مضنية في المراقبة والتعديل والتطوير. استمر استخدام هذه التقنيات التقليدية في تهجين الأحياء والمحاصيل حتى اكتشف العلماء دور الجينات التي تحتويها الكروموزومات داخل خلايا الكائنات الحية (ومنها النباتات) في نقل الصفات الوراثية من جيل الى آخر من خلال شفرة وراثية تحملها جينات كافة الأحياء وتمكنوا من رسم خرائط تفصيلية لها مكنتهم من التحكم في عمل تلك الجينات بتعطيل أوامرها في نقل الصفات الوراثية غير المرغوبة والإبقاء على دورها في نقل الصفات المرغوبة. واستمروا في تطوير معارفهم بالجينات حتى تمكنوا أخيراً من ابتكار تقنيات لعزلها من كائن حي وغرسها في كائن آخر لتصدر أوامر محددة لخلايا الكائن المضيف تحسن من صفاته الوراثية أو تعطل بعضاً منها أو تكسبه مناعة ضد آفات وأمراض معينة. وكانت البداية سنة 1983م عندما تم انتاج أول نبتة (تبغ) معدلة تحمل جينة من بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية تبعها سنة 1993م انتاج طماطم تحمل جينة تمكنها من مقاومة التعفن لمدة أطول ثم (وضع الحبل على الجرار) وانفجرت الأبحاث والمنتجات المعدلة جينياً بقيادة شركات عملاقة أهمها الشركة الأمريكية مونسانتو Monsanto لتكتسح أسواق العالم وموائد المستهلكين الى أن تم الكشف عما عرف بفضيحة ( ذرة مونسانتو القاتلة) التي أخذت في التفاعل السريع على كافة الأصعدة وما زالت تتفاعل حتى اشعار آخر.


فعلى الصعيد التجاري تصاعد التوتر في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة ودول الإتحاد الأوربي على اثر القرار الذي اتخذه وزراء بيئة دول الإتحاد بحظر تداول المنتجات الزراعية والحيوانية المعدلة جينياً أو المعالجة هرمونياً في الأسواق الأوربية قبل عام 2002م وتنظيف الأسواق مما يتوفر فيها حالياً من هذه المنتجات بحجة البحث عن وسائل علمية أفضل لاختبارها وتقييمها والعمل على ايجاد نظام أكثر دقة لإجازتها والترخيص باستيرادها وانتاجها وادخال مكوناتها في انتاج أطعمة أخرى. وهكذا وجدت الدول الأوربية مخرجاً مناسباً يمكنها من عدم الإنصياع لأحكام منظمة التجارة الدولية التي كانت تساند الولايات المتحدة في موقفها بضرورة فتح الأسواق الأوربية في وجه الواردات من لحوم العجول الأمريكية المعالجة هرمونياً.


وقد يبلغ حجم الخسائر الأمريكية من الإجراءات الأوربية أرقاماً لا حصر لها حيث أنه يتوقع أن يصل حجم المنتجات الزراعية المعالجة جينياً الى (100%) من الحجم الكلي للصادرات الغذائية الأمريكية خلال السنوات الخمس القادمة حسب افادة ستيوارت إيزنستات المرشح لثاني أعلى منصب في الخزانة الأمريكية في افادته أمام اللجنة المالية الخاصة بمجلس الشيوخ الأمريكي الذي اعتبر تخوف دول الإتحاد الأوربي من الأطعمة المهندسة بيولوجياً والمنتجات الزراعية الأخرى (أعظم تحد تجاري تواجهه الولايات المتحدة على الإطلاق).


وعلى الصعيد الصحي بدأت تطفو على السطح انتقادات منها أن معرفتنا بطريقة عمل الجينات وتفاعلاتها لا زالت قاصرة وينقصها الكثير ولربما ادى التلاعب فيها الى اطلاق سموم أو انواع من الحساسيات التي لا نعرفها ولا نعرف لها علاجاً. كما أن زرع العلماء لجينات مقاومة للمضادات الحيوية من فيروسات وبكتيريا في محاصيل زراعية بغرض اختبار نجاح عمليات زرع الجينات المرغوبة في تلك المحاصيل قد ينتقل الى (العضيات المجهرية) التي تمرضنا فتصبح مقاومة للمضادات الحيوية فلا تستجيب أجسامنا بالتالي للعلاج بتلك المضادات.


ويرى مناصرو البيئة أن التعديل الجيني على معظم المحاصيل ومنها والذرة على وجه الخصوص لم يزد من غلة تلك المحاصيل كما أنه لم ينقص من استخدام المبيدات الحشرية فيها بل أنه قدم أسلوباً جديداً لاستخدامها فبدلاً من رشها فوق أجزاء النبات الخارجية أصبح النبات ينتجها بنفسه. كما أن بعض العلماء يتقصون حالياً فرضية فحواها أن دودة الذرة أخذت في التكيف مع ذرة البي تي ولربما بدأت في تطوير مقاومات ذاتية لها. ومن نواحي الإنتقاد البيئية الأخرى ما يخشاه الكثيرون من نتائج التدخل في نظام التكامل البيئي وما قد يجره هذا التدخل من خراب وتدمير لم يكن في الحسبان.


وأهم انتقاد سياسي وجه الى الأطعمة المعدلة جينياً تمثل في محاولة الدول الصناعية المنتجة للبذور المحسنة جينياً فرض استخدامها على الدول النامية كجزء من مساعداتها الخارجية لتلك الدول مما سيؤدي الى تلاشي البذور التقليدية والإعتماد الكلي على البذور المحسنة في الزراعة في مختلف أنحاء العالم في الأمد الطويل مما يمكن الشركات الدولية الكبرى من احتكار الصناعات الغذائية في العالم ويمكن الدول الصناعية الكبرى من الإمساك بالتالي بخناق الدول الصغيرة وتقرير سياساتها الزراعية والغذائية وغيرها من السياسات التي تراها والتي تخدم مصالحها هي لا مصالح تلك الدول.


ويرد مناصرو التوسع في تطوير واستهلاك الأغذية المهندسة بيولوجياً على هذه الإنتقادات بأنه لم يثبت حتى الآن ظهور أية أمراض نجمت عن استهلاك تلك الأطعمة كما ان الحساسيات يمكن أن تنتج عن استهلاك أطعمة محسنة بالطرق التقليدية غير الجينية وأن الطرق الجينية أكثر دقة في معالجتها. كما أن استخدام جينات من فيروسات وبكتيريا النباتات لا يمثل خطراً يعتد به لأننا باختصار لسنا نباتات. إضافة الى أن التعديل الجيني للمحاصيل الزراعية لا يحسن الطعم والقوام ومدة التخزين للأطعمة المحسنة فحسب ولكنه يحسن في نفس الوقت قيمتها الغذائية. ويرى المناصرون أيضاً ان التخوف السياسي لا يستند على أساس قوي من الواقع حيث أن الإحتكار لم يحصل في الماضي للبذور المحسنة التي استخدمت أثناء الثورة الزراعية والتي طورت أساساً في معامل أبحاث الدول الصناعية المتقدمة بل أن تلك البذور أصبحت تنتج محلياً في معظم دول العالم لأن الأبحاث والتحسين بالتهجين الجيني وغير الجيني ليست وقفاً على أحد وهي حق مكتسب لكل الناس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1]الينوي، انديانا، أيوا، كانساس، منيسوتا، ميزوري، نبراسكا، أوهايو، وداكوتا الجنوبية.

يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page