top of page

الفلاح شميزر


الفلاح الكندي البسيط الذي أصبح رمزاً للمقاومة الضارية التي تقودها جماعات كثيرة ضد هيمنة شركة مونسانتو الأمريكية على صناعات الغذاء العالمية من خلال تطبيقات الهندسة الوراثية واحتكار البذور المعدّلة جينياً



إنتهت في مايو 2004 قضية الفلاح الكندي بيرسي شميزر أمام المحكمة الكندية العليا بخسارته لها. وذلك بعد أن خاض معركة حقوقية قاسية ينقصها التكافؤ منذ 1997 في مواجهة شركة مونسانتو الأمريكية العملاقة في مجال الهندسة الجينية الزراعية بالحكم للشركة بحقها في التعويض مقابل تجميعه لبذور مطورة مقاومة للأعشاب ذرتها الرياح على حقله من حقول الشركة المجاورة في انتاج تجاري سنة 1998.


وتعود القصة في جذورها إلى أن مخبري شركة مونسانتو وجدوا في ذلك العام وأثناء القيام بجولات تفتيشية في حقول سهول ساسكاتشوان الكندية التي تنتشر فيها زراعة الكانولا الكندية (نبات يستخرج من زهوره زيت طعام) كميات من الكانولا المعدّلة جينياً من النوع الذي تنتجه الشركة مزروعاً في حقل مساحته 1400 فدّان من مزرعة الفلاّح الكندي البالغ من العمر 73 عاما. وبالعودة لسجلات المبيعات لم تجد الشركة في سجلاتها اسم الفلاح شميزر ضمن أسماء 30 ألف فلاّح آخرين في نفس المنطقة ممن يستخدمون البذور المعدلة جينياً لمقاومة الأعشاب الملتفة التي تنتجها الشركة في ذلك العام. وباتصال مندوبي الشركة بالمزارع شميزر لإقناعه بدفع رسوم الاستفادة من التكنولوجيا المستخدمة في بذور تلك النباتات فوجئوا برفضه للدفع مدّعياً أن لا يد له في زراعة بذور الكانولا المعدلة في تلك المساحة من مزرعته وأنها وصلت إليها من حقول الشركة المجاورة إما بفعل انجراف التربة الناجم عن السيول أو بفعل الرياح أو الحيوانات والطيور والحشرات أو أية عوامل طبيعية أخرى، ونفى أي علاقة له بزراعتها أو بإعادة زراعتها بنفسه لعلمه بشروط الشركة القاسية التي تفرضها على زبائنها من الفلاّحين والتي من ضمنها عدم السماح لهم بالاحتفاظ ببذور من إنتاج أحد الأعوام لإعادة استخدامها في أعوام لاحقة دون دفع رسوم جديدة.


ولم تجد الشركة في مواجهة موقف شميزر الرافض للتفاهم بداً من إقامة دعوى قضائية ضده على أساس أن الكانولا المزروعة في أرضه تركزت في موقع واحد بكميات لا يعقل أن تكون منتقلة، من وجهة نظرها، بفعل العوامل الطبيعية، واستطاعت الشركة كسب جولتين من المرافعات القضائية أمام محكمة المقاطعة الكندية ولكن شميزر رفض الحكمين واستأنفهما أمام المحكمة الكندية العليا في أوتاوا التي نطقت بحكمها النهائي سنة 2004.


وشركة مونسانتو التي قاضت شميزر في هذه القضية هي شركة عملاقة لمع اسمها في مجال التعديل الجيني لبذور المحاصيل والنباتات ذات المردود الاقتصادي الكبير لتمكينها من مقاومة الآفات والأعشاب الضارة، ومن أهم منتجات الشركة إضافة إلى بذور الكانولا التي تزرع على مساحة أكثر من خمسة ملايين فدان في منطقة السهول الكندية بذور الذرة الأمريكية الصفراء المعدلة للقضاء على دودة الذرة الأوربية.


ولم يتنبه العالم لخطورة ما تقوم به الشركة من أبحاث وما ينتج عنها من منتجات على حياة الإنسان والأحياء الأخرى إلا بعد أن لاحظ علماء الحياة الفطرية في السنوات الأخيرة من القرن الماضي انخفاض أعداد الفراشات الملكية التي تعود إلى موطنها في المكسيك من الولايات المتحدة بعد انتهاء موسم الهجرة السنوية المعتادة ليصلوا بعد بحث مكثف إلى أن أعداداً من تلك الفراشات تموت أثناء نموها في طور اليرقات في براري الأعشاب التي تتغذى عليها في الولايات المتحدة، وهذا ما دفع بفريق من الباحثين في جامعة كورنيل الشهيرة بالأبحاث الزراعية في نيويورك إلى إجراء تجارب معملية لتقصي أسباب المشكلة بأخذ عينة من يرقات الملكات وتغذيتها على عشبة الحليب المأخوذة من البراري المحيطة بحقول الذرة في منطقة حزام الذرة الأمريكي، وكانت النتائج التي تم نشرها في مجلة الطبيعة Nature يوم (20 مايو 1999م) بمثابة الصدمة للعلماء وللعالم أجمع حيث أن حوالي نصف العينة من اليرقات مات بنهاية اليوم الرابع من التجربة أما البقية التي لم تمت فقد تبين أنها أكلت كمية أقل من العشبة ونمت إلى أحجام أصغر من المعتاد، وتبين من البحث أن تلك الأعشاب كانت ملوثة بغبار الطلع او اللقاح Pollen الذي تطاير عليها بفعل الرياح من شجيرات الذرة المزروعة بالحقول المجاورة، وتكمن خطورة هذه النتيجة في أن هذه الذرة ليست عادية فهي ذرة مهجنة باستخدام أساليب الهندسة الجينية لتحمل جينة من بكتيريا معروفة باسم Bacillus Tharingiensis (BT) ويتمثل دور هذه الجينة بأنها توجه الذرة التي تحملها لإنتاج بروتين سام يقضي على دودة الذرة الأوربية في حال محاولتها التغذي على الذرة دون أن تسبب (كما هو مفترض) أي ضرر على صحة الإنسان أو الأحياء الأخرى أو البيئة المحيطة.


وما أن نشرت نتائج البحث هذا حتى اندلعت مظاهرات الاحتجاج في مختلف أنحاء العالم وكانت أعنفها في بريطانيا حيث تم تخريب بيوت زراعية محمية تستخدمها شركة مونسانتو في إجراء تجاربها وتعالت صيحات ونداءات بالأخذ على يد الشركة ومنع منتجاتها وما زالت الحملات والحملات المضادة بين الشركة وخصومها مستمرة إلى أن يشاء الله.


ولعل هذا ما دعى بنشطاء حقوق الإنسان ومناصري حماية البيئة ومعارضي انتشار الهندسة الوراثية وتطبيقاتها على مختلف الأحياء ومنها النباتات للالتفاف حول الفلاح شميزر ليجد نفسه فجأة نجماً عالمياً وضيفاً دائماً في كثير من التجمعات والمؤتمرات في مختلف بلاد العالم عارضاً قضيته ومندداً بسطوة الشركة التي تطارده في المحاكم لإخضاعه لقوانين العبودية الصارمة التي تفرضها على الآف المزارعين الصغار من أمثاله في مختلف أنحاء العالم باحتكارها لإنتاج البذور المعدلة والقضاء على كافة المبادرات التطويرية للفلاّحين خاصة في البلاد الفقيرة والنامية حتى تصل في النهاية لاحتكار كافة الانتاج الزراعي الغذائي في العالم وتحويل كافة الأراضي الزراعية إلى ملكيتها وكافة الفلاحين إلى أجراء لديها.

وهكذا أصبح شميزر رمزاً للمقاومة الضارية التي تقودها جماعات كثيرة لهيمنة شركة مونسانتو الأمريكية على صناعات الغذاء العالمية وأصبح الحفاظ على الزخم الإعلامي لقضيته واستمراريتها في ردهات المحاكم ضرورة ملحة للنيل من الشركة العملاقة التي باعت العام الماضي فقط بذوراً محسنة بقيمة 1.6 مليار دولار بعد إنفاق 500 مليون دولار على أبحاث تطويرها وإنتاجها، ولذلك انهالت التبرعات بالملايين على العجوز شميزر للاستمرار في خوض المعركة القضائية التي بدأت منذ سبع سنوات ومازالت مستمرة حتى يتمكن من تحمل تكلفتها التي وصلت حتى الآن إلى 230 ألف دولار من الرسوم القضائية مقابل 140 ألفاً كان من الممكن أن يدفعها منذ البداية ويشتري راحة البال كما يقال؟

لذلك أود أن أطرح عدة تساؤلات أظنها مهمة وهي: أين نحن من كل هذا؟ هل يكفي إجبار موزعي الأغذية المعدلة وراثياً على كتابة ما يفيد بذلك على عبواتها؟ وهل اتخذنا أي موقف بشأن البذور المعدلة وراثياً التي نستخدمها في إنتاج القمح والشعير ومنتجات أخرى؟ وهل بحثنا في مدى تأثيرها على بيئتنا المحلية وصحتنا وصحة الأحياء الأخرى التي تتغذى عليها أو تتعرض لغبار طلعها؟


إن التساؤلات التي أطرحها شرعية وتحتاج لإجابة، خاصة في ضوء سحب بعض المنتجات الغذائية المعدلة وراثياً من الأسواق بعد ثبوت سمّيتها العالية وعدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمي ومنها على سبيل المثال لا الحصر أحد أنواع زيت الصويا التايلندي، والمحزن في الأمر أن سحب مثل هذه المنتجات من أسواقنا المحلية لا يتم بناءً على دراسات محلية خاصة بنا ولكن على نتائج دراسات تجرى في دول أخرى ..

يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page