القطاع الثالث وتجارب تنموية من الصين
- د. علي التواتي
- Jun 23, 2023
- 5 min read
كيف تحققت الأهداف الثلاثة الأساسية للتنمية الريفية وهي (التوظيف الذاتي للمواطنين، وزيادة الدخل الفردي والعائلي، والانفلات بلا عودة من فخ الفقر) من خلال توظيف الموارد
المحلية المتاحة

١. تجربة من قرية دوان
(زوانج جانكزي) مقاطعة ريفية فقيرة معزولة تقع في جنوب الصين ويقطنها ستة وأربعون مليون نسمة معظمهم من أقليات عرقية مختلفة. ولم يستصلح للزراعة فيها سوى 8% من مجمل مساحة أراضيها بسبب وعورتها ومنحدراتها الجبلية الحادة. أما المناخ الذي يسودها فهو شديد الحرارة والرطوبة صيفاً، وقد تهطل الأمطار بكميات تصل إلى درجة الفيضان في المواسم الجيدة ولكنها تشح في مواسم أخرى لتصبح أندر وأغلى من النفط.
وفي مواجهة الظروف الصعبة التي تمر بها العديد من الأسر في المقاطعة ونظراً لأن كثيراً من الأسر أصبحت تعيش تحت خط الفقر - دولار واحد للفرد في اليوم - ولا تجد سبيلاً للخروج من حلقاته المفرغة بجهودها الذاتية، فقد سمحت الحكومة الصينية للعديد من الهيئات الإنسانية والمنظمات الخيرية والتعاونية في تقديم مساعداتها التنموية للأرياف الفقيرة والنائية خاصة في ظل فشل جهود التخطيط المركزي المطبق منذ عدة عقود في التغلب على مشاكل تطوير المناطق الفقيرة والنائية. وحال الصين في ذلك الفشل هو حال معظم الدول التي اعتمدت نموذج التخطيط المركزي طريقاً للتنمية فأهدرت الموارد والجهود في تعقيدات بيروقراطية تتزايد مع تزايد النزول من أعلى الهرم الإداري إلى قاعدته حتى تتلاشى تلك الموارد والجهود في أغلب الحالات قبل أن تصل إلى القاع فلا يصل للأرض ولا للمستهدفين منها شيئا.
لذلك قامت بعض المنظمات الإنسانية الغربية بالتعاون مع هيئات اجتماعية محلية صينية بدراسة اقتصاديات الأرياف الفقيرة لتصميم برامج تنموية مباشرة وذات التصاق بحاجات الناس حتى وإن كانت في أضيق نطاق وبأقل الإمكانيات المتاحة بهدف تحقيق الأهداف الثلاثة الأساسية للتنمية الريفية وهي (التوظيف الذاتي للمواطنين، وزيادة الدخل الفردي والعائلي، والانفلات بلا عودة من فخ الفقر).
ولقد كانت المشاركة في تنمية قرية (دوان) أفقر قرى مقاطعة (زوانج جانكزي) وعدة قرى مجاورة من نصيب جمعية خيرية أسترالية وجدت بدراسة النشاطات والموارد الاقتصادية المحلية أن أفضل النشاطات التي يمكن تنميتها في تلك القرى هي النشاطات التي تعتبر حسب تقاليد القرويين المحليين من النشاطات النسوية. وكانت أهم تلك النشاطات رعي الماشية وتربية الدواجن ورعاية أشجار الفاكهة المحيطة بالمنازل.
ويعتبر الطلب على نواتج هذه النشاطات من الفواكه واللحوم عالياً سواء في تلك القرى ذاتها أو في المقاطعة التي تحتضنها والتي تنمو ويتزايد تعداد سكانها بشكل مستمر. لذلك كان المطلوب ببساطة هو تدريب النساء على الرعاية الصحية للمواشي والدواجن للإكثار منها والرعاية الصحيحة لأشجار الفاكهة لزيادتها حتى يتحقق من إنتاجها فائض يمكن بيعه لزيادة دخل العائلات المستهدفة وتحسين أوضاعها المعيشية. ذلك أنه ثبت من الدراسات التنموية على مستوى العالم أن زيادة دخل الأمهات من النساء ينعكس بشكل مباشر على العائلات من مختلف النواحي المادية والصحية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق وبالتعاون مع الهيئات الاجتماعية المحلية في تلك القرى تم تصميم برنامج خاص لتدريب سيدات المنازل على رعاية المواشي والدواجن وأصول زراعة وري أشجار الفاكهة والعناية بها.
أما التكاليف المالية للبرنامج فقد تلخصت في قروض مسترجعة معفاة من الفائدة لكل ربة منزل تنهي تدريبها لتوفير احتياجاتها من الأسمدة والبذور والشتلات والكتاكيت والفقاسات والماعز، إضافة إلى بناء خزان أرضي للمياه لتوفير الإمدادات اللازمة منها في أوقات الجفاف. الشرط الوحيد الذي كان على كل امرأة تستفيد من برنامج التدريب الالتزام به هو التعهد بتدريب نساء أخريات في القرى التي يعشن بها على ما تم تدريبهن عليه لإشاعة التعاون والمعرفة بين الجميع. ولقد نجح البرنامج باستقطاب أعداد كبيرة من النساء اللاتي أكملت الحاصلات على التعليم الابتدائي منهن تدريبهن بسرعة في حين تم عقد دورات خاصة للأميات منهن باللهجات المحلية حتى يستوعبن ما يقال لهن. وقد لاحظ المشرفون على البرنامج تزايد الطلب على دورات التدريب الخاصة برعاية الدواجن بصفة عامة ومنها الدورات الخاصة بتفريخ الدجاج على وجه الخصوص. ورغم تعرض المقاطعة التي نفذ فيها البرنامج لفياضانات مدمرة ومواسم جفاف حادة إلا أن دخل العائلات المستفيدة من البرنامج ازداد في حدوده الدنيا إلى ما بين 40 و 60 دولاراً وتمكنت 80% من تلك العائلات الفقيرة من تحقيق مستويات من الدخل تجاوزت بها خط الفقر بكثير وتمكنت بموجبها من تسديد ما عليها من قروض وفق شروط ميسرة وفترات سماح كبيرة.

٢. تجربة الفلاح هوانج رونج منج
تجربة أخرى في موقع آخر من المقاطعة الصينية ذاتها نجح في تطبيقها فلاح يدعى (هوانج رونجمنج) الذي يلقبونه في قريته بملك الأعناب بسبب إدخاله لتقنية استخدام البيوت المحمية في الإنتاج إلى تلك القرية المعزولة النائية والذي استطاع من خلال تجربته الجديدة أن يضيف لنفسه لقباً جديداً آخر هو ملك الإنترنت. فهذا الفلاح المفكر لم يعقه بلوغه السابعة والستين من العمر من التعامل مع التقنيات الحديثة وإدخال الإنترنت إلى قريته واستخدام تلك الوسيلة استخداماً مفيداً في تسويق إنتاجه من العنب إضافة إلى إنتاج مواطنيه الآخرين. فبشرائه لجهاز كمبيوتر تصل قيمته إلى حوالي (1500) دولار أو ما يعادل الدخل السنوي لثلاث عائلات من سكان القرية تمكن من خلال موقع صغير أنشأه على الإنترنت أن يبيع كامل إنتاجه من الأعناب وأن يتوسع في الإنتاج حتى لم يبق شبر من أرض حول منزله لم يغطى ببيت محمي أو يزرع عنباً. وأمام الطلب المتزايد على أعنابه أصبح عاجزاً عن تلبية كافة طلبات الزبائن فقام بتنفيذ فكرة مبتكرة وذلك بتركيب سماعة ميكروفون في ساحة القرية الرئيسية موصلة بسلك إلى بيته يعلن عبرها لسكان القرية عن الكميات الإضافية من الأعناب التي يحتاجها لتلبية طلبات زبائنه والتي لا يستطيع تلبيتها بنفسه. فيتراكض الفلاحون إلى بيته يحملون فوق رؤوسهم زنابيل مملوءة بالعنب ليضيفه إلى ما لديه ويسوقه لهم. ولقد نجحت الفكرة في تزايد شعبية زراعة الأعناب حتى لم يبق شبر في القرية إلا وقد غطي ببيت محمي واخْضَرّ من زراعة الأعناب وكانت المحصلة النهائية تضاعف دخل السكان بالاستفادة من وسيلة التسويق الجديدة.
وما تجربة الجمعية الأسترالية في قرية دوان والفلاح الصيني سوى قطرتين صغيرتين في بحر التجارب التنموية التي تقودها الجمعيات التعاونية والخيرية والأفراد المميزين المدفوعين ببواعث ذاتية بعيدة عن الربحية بمفهومها الاقتصادي البحت. ولقد تزايدت شعبية هذه الأشكال من الهيئات الاجتماعية التي تضمن أعلى قدر من الرضى الشعبي والمشاركة التطوعية في مجهوداتها التنموية خاصة في الأرياف الفقيرة وفي الدول التي تفتقر للموارد التنموية الكافية حتى أصبحت تشكل دعامة أساسية ومدخلاً مميزاً لتجميع الجهود التنموية الذاتية فيما أصبح يعرف اليوم باسم (القطاع الثالث) الذي يعاد بموجبه تعريف القطاعات الاقتصادية المنتجة ليصبح القطاع العائلي قطاعاً اقتصادياً منتجاً بالمفهوم التجاري بعد أن كان دوره مقتصراً على تقديم العمالة للقطاع الخاص واستهلاك إنتاجه من السلع والخدمات ليصبح قطاعاً (مُنظَّماً) بل قائداً للتنمية في حالة عجز القطاعين العام والخاص بالمفهوم التقليدي عن قيادة عملية التنمية بسبب ضعف الموارد والإمكانات المتاحة..
ولأن طريق التنمية لم يكن قط مفروشاً بالورود فلا بد من توقع رفض الأجهزة البيروقراطية الدنيا في المناطق النائية والريفية الفقيرة لمنافسة هيئات (القطاع الثالث) لها في تنفيذ البرامج التنموية لأن في ذلك فقدان لامتيازاتها وعوائدها المالية الإضافية ومزاياها المكتسبة خاصة في حالات الفساد وعدم سلامة النوايا. ولكن في حالة تسهيل الطريق أمام هذا القطاع وإزالة التعقيدات والعوائق من أمامه يمكن تحقيق نتائج مبهرة حتى على صعيد بناء المنشآت التنموية كالمدارس والمصانع والطرق. والشواهد على ذلك كثيرة بل لا يمكن إحصاءها أو حصرها ومنها على سبيل المثال مدرسة قامت بإنشائها إحدى الجمعيات الخيرية الأوربية في إحدى قرى الريف الصيني بمبلغ يمثل ثلث المبلغ الذي قدرته لها الأجهزة الحكومية وبمواصفات أفضل مما يعني أن الكفاءة التكاليفية في تنفيذ مشروعات القطاع الثالث عالية خاصة أنها تعتمد في جزء كبير من أعمالها على تكثيف جهود العمل التطوعي للسكان المحليين.
ولذلك لا بد من التركيز على تطوير وتقوية الهيئات الاجتماعية المحلية وعدم الاستعانة بالهيئات الأجنبية إلا في أضيق الحدود لتقديم المشورة الفنية والمعلوماتية التي لا يمكن توفيرها بالإمكانات المحلية الذاتية..






