تجارب عالمية في الإسكان التعاوني
- Jun 23, 2023
- 7 min read
وكانت النتيجة إصابة عصفورين بحجر .. فمع اكتمال أعمال البناء أصبح أرباب العائلات الذين شاركوا اخرين في بناء بيوتهم مؤهلين بما يكفي للعمل في قطاع البناء والتشييد وبذلك حصلوا على منازل محترمة لعائلاتهم وعلى دخل مناسب من عملهم وفوق كل ذلك تمكنوا من استعادة بعض ما فقدوه من القيم الاجتماعية والنفسية

مقدمة
في الوقت الذي بدأت تشهد فيه الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية هجرة عكسية من المجمعات الحضرية الكبرى نحو الأرياف والمناطق الحضرية الصغيرة، لا تزال مؤشرات الهجرة من الريف إلى الحضر تتجه اتجاهاً تصاعدياً في معظم الدول النامية.
هذا التصاعد بل الاندفاع في الهجرة الريفية نحو المدن أدى إلى نشوء مشكلات حضرية مشتركة قد تصل حدّ الأزمة في كثير من الدول النامية. وتمثلت هذه المشكلات في عجز البنية التحتية عن مساندة الخدمات الحضرية وظهور نقص في المياه وتلوثها وعدم توفر شبكة مجاري صحية ووسائل مناسبة أو كافية للتخلص من المخلفات الصلبة، وظهور المستنقعات الموحلة في مواسم الأمطار والفيضانات في بعض الدول، وتآكل المساحات الخضراء بسبب الاعتداء أو بفعل التلوث الذي تتزايد معدلاته باستمرار، واهتراء طرق المواصلات بسبب عدم توفر الصيانة الكافية والمستمرة، وتصاعد معدلات الأمية، وضعف المساندة الاجتماعية، وفوق كل ذلك ظهور أحياء الفقراء slums التي تبنى عادة من الأخشاب وصفائح الزنك وأية مواد مهملة تجمع من مقالب القمامة ويمكن الاستفادة منها في بناء حجرات الصفيح والعشش والأكواخ التي تفتقر إلى توفر أدنى حد من الشروط الصحية المفترضة ما أدى إلى توطن العديد من الأمراض الوبائية وتصاعد معدلات الجريمة والاعتداءات الجنسية واستغلال الأطفال كنتيجة طبيعية للازدحام وعجز المرافق العامة عن العمل.
ولقد اختلفت الدول في تعاملها مع مشكلة الإسكان وتوابعها بحسب اختلاف أنظمتها وتوفر الموارد المالية لديها.ويمكن تصنيف الدول النامية في نظرتها وتعاملها مع هذه المشكلة في أربع مجموعات: أولاها مجموعة الدول التي اعترفت بالمشكلة ولكنها لم تتمكن من معالجتها لعدم توفر الموارد الكافية أو الكفاءات التخطيطية اللازمة فلجأت إلى طلب معونة الدول الأخرى والهيئات الدولية، وثانيتها مجموعة الدول التي توفرت لديها الموارد فبادرت إلى معالجتها من خلال خطط طوارئ عاجلة وغير مدروسة أفرزت نتائج عكسية، والمجموعة الثالثة تتكون من الدول التي لم تتوفر لديها الموارد ولم تتلق معونات خارجية واعتمدت على هيئاتها الخيرية وجهود مواطنيها التعاونية في معالجة المشكلة، أما المجموعة الرابعة فتتكون من الدول التي ترفض الاعتراف بوجود المشكلة وترفض التعامل معها لأسباب مختلفة.
وسأستعرض هنا بعض الحالات التي تمثل بعض التجارب التي طبقتها بعض الشعوب في تعاملها مع مشكلة الإسكان المتنامية، وسأحاول أن تكون الحالات متنوعة وتعكس دروساً مختلفة لعل في ذلك فائدة وعبرة.
الحالة الأولى من دولة البيرو

تقع البيرو في أمريكا الجنوبية حيث ضاقت الدنيا على اتساعها بسكان الأحياء الفقيرة في العاصمة ليما ليندفع حوالي خمسمائة رب عائلة منهم ليلة السابع عشر من سبتمبر سنة (1960م) نحو وادي كافاس Cuevasالصحراوي الواقع على مسافة حوالي ستة كيلومترات من العاصمة لينهمكوا في بناء مساكن لأسرهم من خلال جمعية تعاونية قاموا بتشكيلها لهذا الغرض. وكان رد فعل السلطات المحلية عادياً وقد يحصل في أي بلد آخر، فقد تم إرسال قوات الشرطة والأمن لإخلاء المنطقة وطرد المعتدين على الأراضي الحكومية قبل أن يتدخل بعض المستشارين الحكماء ويقنعوا الحكومة بضرورة مساعدة الناس في حل مشكلتهم بدلاً من سحقهم طالما كانت لديهم الرغبة في استثمار كل ما يملكون والاستعداد للتعاون فيما بينهم لتحسين أوضاعهم التي لم تتمكن الدوائر المختصة من حلها خلال سنوات طويلة من التراكم والتدهور خاصة أن الأراضي حكومية ولا تدخل في ملكية أحد. وبعد مفاوضات وافقت الحكومة على تمكين الناس من أراضي الوادي بل قامت بتوزيعها عليهم وساعدتهم في التخطيط لبناء مساكنهم عليها، وقدمت لهم المشورة الفنية والمساعدات من خلال مؤسساتها المختصة. وما هي سوى شهور قليلة مرت ليتم إنشاء مدرسة ومخفر للشرطة وأماكن للعبادة تبعها شبكة مياه ومزيد من المدارس والمراكز الصحية والمحلات التجارية متعددة الأغراض والاختصاصات وذلك قبل أن تتوج الحكومة اعترافها بحق سكان الوادي في التملك والخدمات سنة 1961م وذلك بإعلان المنطقة (مركزاً حضرياً) يتكون من مستعمرتين سكنيتين تضمان آلافاً من المواطنين. وتلك كانت البداية في اعتراف الحكومة البيروفية بالتجمعات السكانية المشابهة التي عرفت فيما بعد باسم المدن الصغيرة Young Towns من خلال قانون يعترف بحق المواطنين فيها بالتملك وبحقهم في الحصول على الخدمات العامة والقروض لبناء مساكن لهم مما وفر الكثير من الجهد في التخطيط والدراسة واختيار المواقع.
الحالة الثانية من الهند

حيث شهدت مدينة اندوري Indore الصناعية تزايداً في عدد الأحياء الفقيرة التي كانت تُحْدَث باستمرار وبعشوائية في كافة الاتجاهات. وقد فاقت نسبة السكان في هذه الأحياء نسبة تزايد السكان في الأحياء الأخرى المنظّمة بمقدار أربع مرات بين عامي 1971م و1991م. وكان ثلثا سكان هذه الأحياء حسب الإحصاءات يعيشون تحت خط الفقر بدخل لا يزيد عن (1000) روبية هندية في الشهر (83 ريال سعودي تقريباً) وأربعون في المائة منهم أميون، وثمانية وستون في المائة منهم لم يتمتعوا بنعمة الانفراد بدورات مياه خاصة، إنما كانوا يستخدمون دورات مياه عامة معظمها غير صالح للاستخدام والباقي يفتقر إلى النظافة.
ومدينة أندوري ومعاناة الناس فيها ما هي إلا مثال لمدن أخرى في دول أخرى كثيرة. ولقد تم التعامل مع مشكلة هذه الأحياء في أندوري بطريقة مبتكرة عرفت بطريقة (شبكة الأحياء الفقيرة) وتتلخص هذه الطريقة في عدم التفكير بإزالة تلك الأحياء ولكن بالعمل على تحسين الظروف المعيشية والصحية فيها على وجه الخصوص وذلك بالتعامل معها كشبكة مترابطة في كل أنحاء المدينة وليس كجزر مستقلة عن بعضها البعض. ولقد سهل من مهمة السلطات المحلية في تطبيق هذه الطريقة ما لاحظه المختصون من انتشار هذه الأحياء العشوائية لسبب أو لآخر على طول خطوط شبكة المياه وتصريف المجاري في المدينة مما ساعد كثيراً في تصميم مشروع لتزويد هذه الأحياء بالمياه وتوصيلها بشبكات تصريف المجاري وشق الطرق والممرات. وتم التركيز بشكل رئيسي على توفير مرافق صحية مستقلة لكل أسرة بدلاً من المرافق العامة المشتركة وزيادة المساحات الخضراء وذلك من خلال تحميل المستفيدين بعض الرسوم أو الاستفادة من جهودهم التعاونية في البناء وتوفير المواد.
ولقد تلقى المشروع بعض الإعانات والتمويل من إحدى الدول الأوربية وكانت النتيجة بعد مرور ست سنوات من العمل بالمشروع تطوير أربعمائة وخمسين ألف مسكن من مساكن الفقراء لتصبح أكثر صلاحية للسكن إلى جانب تطوير أساليب التعاون وتحمل المسئوليات الاجتماعية بين المواطنين وتخفيف العبء عن السلطات المحلية في بناء وتجهيز وصيانة المرافق الصحية العامة.
الحالة الثالثة من الفلبين

حيث تم إحداث قرية عشوائية قرب مقلب للقمامة وكان سكانها من الفقراء والعاجزين والعاطلين عن العمل الذين لم يجدوا وسيلة لتوفير المأوى غير البحث في مخلفات الآخرين علّهم يجدون صفيحة أو قطعة خشب أو ورقة أو أي شيء يستفاد منه في بناء مأوى يسترون به عوراتهم ويتّقون به حرّ الصيف وقرّ الشتاء. ولكم أن تتخيلوا الوضع النفسي والاجتماعي المأساوي لإنسان يعيش بدون وظيفة أو دخل ويقضي يومه في مقالب القمامة بحثاً عن مأوى. وعندما تدخلت إحدى الجمعيات الخيرية للمساعدة فوجئت بأن كافة أفراد الأسر الاثنتين والتسعين التي تعيش في ذلك الموقع قد فقدت قيماً اجتماعية ونفسية هامة لا تقدر بثمن والتي هي أهم بكثير من الدخل المادي والحصول على متطلبات الحياة وأعني بذلك قيم الاعتداد بالنفس والإحساس بالكرامة والقدرة على المقاومة والرغبة في التحدي وتحقيق الذات. لذلك كان المدخل لحل المشكلة مدخلاً نفسياً اجتماعياً مادياً شاركت فيه عدة مؤسسات اجتماعية ومالية من خلال مشروع إسكان اجتماعي يعتمد أساسا على العلاج النفسي والاجتماعي لإعادة التأهيل وزرع روح التعاون والجماعة ومساعدة النفس والآخرين في سبيل تحقيق أهداف المجموع في الحياة الكريمة.
ولقد بدأ المشروع بشراء خردة الحديد والصفائح التي بنى منها سكان الموقع منازلهم لإشعارهم بقيمة ممتلكاتهم وبقيمة العمل الذي أنجزوه. ثم شكّلت جمعية تعاونية متعددة الأغراض كان أهم أغراضها إعادة توطين بيوت القرية في موقع مناسب مخدوم. وللاستفادة من خدمات المستفيدين في العمل لبناء مساكن عائلاتهم، تم تدريبهم، على رأس العمل، على مهارات البناء والتشييد المختلفة بما في ذلك أعمال الكهرباء والسباكة والدهان والرصف. وكانت النتيجة إصابة عصفورين بحجر.. فمع اكتمال أعمال البناء أصبح أرباب العائلات الذين شاركوا في بناء بيوتهم مؤهلين بما يكفي للعمل في قطاع البناء والتشييد وبذلك حصلوا على منازل محترمة لعائلاتهم وعلى دخل مناسب من عملهم وفوق كل ذلك تمكنوا من استعادة بعض ما فقدوه من القيم الاجتماعية والنفسية.
الحالة الرابعة من غينيا الجديدة
حيث تكاثرت مساكن الفقراء غير الصحية وغير المخدومة في الأرياف والمناطق البعيدة بسبب قلة موارد الدولة والمواطنين إلى أن تم سنة 1977م تعيين أحد الخبراء في معرفة البيئة المحلية وإمكاناتها، والذي تمكن من عمل كتيبات تعليمات لبناء منازل وخزانات مياه من أعواد القصب والإسمنت المتوفرة بكثرة في البيئة المحلية، وقام بعقد دورات عملية للمواطنين في المناطق الريفية لتعليمهم كيفية عمل منازلهم بأنفسهم بالطريقة التي ابتكرها. ولم تمض سوى سنوات قليلة لتتحسن أوضاع الإسكان والأوضاع الاجتماعية والصحية للمواطنين في تلك المناطق، وليتم تعميم الفكرة على مختلف الجزر المجاورة المتناثرة حول غينيا الجديدة في المحيط الهادي لتسجل نجاحاً منقطع النظير لاستخدامات المواد المتوفرة في البيئة المحلية لتشييد بيوت مناسبة للمواطنين.
الحالة الخامسة من الهند أيضاً

حيث استقرت بعض قبائل البدو الرحل في إحدى الولايات ليمثل تعداد أبنائها حوالي ربع سكان تلك الولاية. ولكن يبدو أن رجال تلك القبائل أولعوا بشرب الخمر التي كانت تنتج في معمل محلي بتلك الولاية فكانت النتائج وبالاً عليهم وعلى عائلاتهم حيث أصبحوا ينفقون ما يزيد على عشرين بالمائة من دخولهم على شراء الخمور وأخذت مشاكلهم الاجتماعية بسبب إدمان شرب الخمر بالتفاقم لتصل إلى حد الإساءة إلى زوجاتهم وأبنائهم. ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد بل وصلت إلى حد بيعهم للأراضي والمساكن البسيطة التي يقيمون فيها للوسطاء والمرابين لتوفير مزيد من النقود لشرب الخمر. وهنا لجأت نساء تلك القبائل المنكوبة إلى الجمعيات النسائية الحضرية الموجودة والى كل من يمكنه المساعدة ليتم تشكيل مجموعة ضغط تمكنت من إقناع السلطات المحلية بالقضاء على مصدر الشرور وتم استصدار قانون بإغلاق مصنع الخمور المحلي بعد ما يقرب من سنة من المناقشات والدعاوى المضنية. ولقد كان من نتائج هذا النجاح أن أصبح تحرك نساء القبائل الفقيرات لصيانة رجال عائلاتهن وأرزاقهم ومساكنهم مثالاً يحتذى في كافة الولايات الهندية لتتصاعد الدعوات إلى إغلاق مصانع الخمور صيانة للناس وللممتلكات.
الحالة السادسة من اليابان

حيث أخذ عدد الطلاب والعمال الأجانب من الدول الآسيوية المجاورة في التزايد في معظم المدن اليابانية خاصة العاصمة طوكيو. ولم تكن لدى الحكومة اليابانية أية خطط أو سياسات تتعلق بإسكان الأجانب ما دفع بأولئك الأجانب إلى إنشاء مساكن عشوائية خاصة بهم شبيهة بما اعتادوا عليه في بلادهم الأصلية. وكانت المشكلة في ان هذه المساكن لا ترقى لمستوى المواصفات الصحية والاجتماعية لليابانيين.

ولقد تمثل حل هذه المشكلة بالمبادرة إلى تشكيل مجموعة من المهندسين المدنيين والمعماريين المتطوعين لتقوم بدراسة أوضاع تلك المساكن وسكانها كحالات فردية مستقلة ولتصل إلى نتائج من أهمها وجود علاقة بين حالة المسكن وجنسية الساكن ووضع إقامته وسبب مجيئه إلى اليابان وإمكاناته المالية. ولقد قامت المجموعة بتعميم نتائج الدراسة بإرسالها للمسئولين الحكوميين والأكاديميين وخبراء الإسكان وغيرهم من المختصين ذوي العلاقة على مختلف المستويات. وكانت النتيجة اعتماد الحكومة اليابانية لبرنامج مساعدات إسكان ومساعدات اجتماعية للأجانب المقيمين في اليابان. وتمت في نفس الوقت الاستفادة من نتائج الدراسة في إعداد برامج مساعدة للمواطنين اليابانيين الذين يعيشون في ظل ظروف مشابهة.


