تجربة الصين الفريدة في تخفيض عدد الفقراء
- Jun 16, 2023
- 4 min read
وازنت الصين بفعالية فيما بين الأهداف الجزئية للألفية والأهداف التنموية الكبرى والغايات القصوى للاقتصاد الكلي، فلم تغرق في التفاصيل الجزئية ولم ترفع عينها عن المتغيرات الكبرى لتتمكن بالتالي من تحقيق اختراقات تنموية رائعة على مختلف الجبهات بدليل أن السعي لتحقيق مزيد من النمو المستدام لم يتعارض مع السعي لتطوير الشراكة الدولية

خصصت الأمم المتحدة أحد مؤتمراتها الدولية سنة 2004 لمراجعة وتقييم مدى ما تحقق من الأهداف الثمانية التي عرفت بأهداف الألفية التنموية (إم دي جي) والتي اتفقت كافة دول العالم مطلع القرن الحالي على تحقيقها بحلول عام 2015 كموعد نهائي.
وتتلخص هذه الأهداف الثمانية بالتالي: القضاء على الفقر المدقع والجوع في العالم، تحقيق القدر الأقصى من التعليم الابتدائي، تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، تخفيض معدلات وفيات الأطفال عند الولادة، تحسين صحة النساء الحوامل، محاربة الإيدز والملاريا والأمراض الأخرى، تطوير معايير الحفاظ على البيئة، وتطوير الشراكة الدولية.
ونظم هذا المؤتمر المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة (إيكوسوك) والذي حضره بعض زعماء الدول والعديد من المسئولين الحكوميين إضافة إلى عشرات الهيئات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية المهتمة بقضايا التنمية على مستوى العالم) وترأسه حينها الماليزي (حامدون علي) الذي كان يعمل في نفس الوقت مندوباً لبلاده لدى الأمم المتحدة. وفي مقابلة صحفية مع السيد علي بشأن المؤتمر لم يخف إعجابه الشديد وإعجاب العالم أجمع بالتجربة الصينية في محاربة الفقر وتخفيض معدلاته كأحد أهم أهداف الألفية التنموية، وذلك بتمكنها سنة 2010م من تخفيض عدد الفقراء إلى النصف عن مستواه الذي كان بحدود 85 مليون نسمة سنة 1990م. ولذلك توقع أن ينخفض معدل الفقر في الصين إلى حوالي 5% بحلول سنة 2015م.
وبحسب تقرير أهداف الألفية التنموية، كان للنجاح الكبير الذي حققته الصين وتأثيرات جوارها على دول شرق وجنوب آسيا في التنمية وفي مكافحة الفقر دور كبير في تحقيق منطقة شرق آسيا لأعلى نسب النمو ولأعلى نسب الانخفاض الكلي لأعداد الفقراء على مستوى العالم حتى الآن، ولهذا يأمل السيد علي أن تفصح الصين عن مزيد من خفايا تجربتها في هذا الاتجاه حتى تقتدي بها بقية الدول وتتمكن من تخفيض مزيد من معدلات الفقر حول العالم.
والحقيقة أن الصين تميزت بتجربتها التنموية على المستويين الكلي والجزئي منذ اعتمادها للنموذج المفتوح للتنمية الذي ارتكز على أربعة دعائم رئيسية هي تحرير الأسواق، واستكمال وتطوير البنية التحتية، والموازنة الصائبة بين الأنظمة الضريبية والتنظيم الصناعي، وأخيراً عقد وتطوير الشراكات الدولية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة لبيئة أعمال مستقرة وآمنه.
وبالنظر لأهداف الألفية التنموية من خلال التقارير الدولية مثل تقرير (إم دي جي) وتقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أنكتاد) والتقارير الدولية الخاصة مثل تقارير وحدة المعلومات في مجلة (إيكونومست) وغيرها، يمكن أن نتبين أن الصين وازنت بشكل فعال فيما بين الأهداف الجزئية للألفية والأهداف التنموية الكبرى والقصوى للاقتصاد الكلي، فلم تغرق في التفاصيل الجزئية ولم ترفع عينها عن المتغيرات الكبرى لتتمكن بالتالي من تحقيق اختراقات تنموية رائعة على مختلف الجبهات بدليل أن السعي لتحقيق مزيد من النمو المستدام لم يتعارض مع سعي الصين لتطوير الشراكة الدولية من خلال اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وفق شروط تضمن تحويلاً سريعاً وأميناً للتكنولوجيا، ما انعكس بدوره على رفع القدرة التنافسية للشركات الصينية وعلى رفع الطلب بالتالي على مزيد من الأيدي العاملة الصينية خاصة أن توظيف مزيد الصينيين سواء في الشركات الوطنية أو الأجنبية العاملة في البلاد تقابله حوافز ضريبية تشجيعية مجزية من قبل الحكومة الصينية. وبذلك تمكنت الصين من زراعة أهدافها على المستوى الجزئي في تخفيض عدد الفقراء ضمن خطط كلية أكبر تصب في النهاية في مصلحة الاقتصاد ولا تشكل عبئاً عليه كما يحدث في الدول التي تلجأ للحلول الجزئية في معالجة مثل هذه القضايا من خلال الجمعيات الخيرية أو الإعانات والهبات الحكومية.
وبالنظر لتوظيف الاستثمارات الأجنبية المباشرة وفق نظام الحوافز الجذاب لخدمة أهداف الاقتصاد بعيدة المدى، فقد تمكنت الصين منذ انتهاجها للنموذج المفتوح قبل ثلاثة عقود من اجتذاب حوالي (ترليون) دولار أمريكي أثمرت خلق 45 مليون فرصة وظيفية جديدة نتيجة لنقل التطبيقات التكنولوجية الرائدة إلى الصين ورفع تنافسية الشركات الصينية، وهذا ما أثبتته بعض الدراسات الأكاديمية حين وجدت علاقة عكسية بين مستوى التكنولوجيا ومستوى البطالة في الصين.
ورغم أن توطين الاستثمارات الوطنية والأجنبية المباشرة عانى من عدم توازن مناطقي حتى عهد قريب وذلك بتركّزه في أربع مناطق أعمال ثم بالتمدد في أربعة عشر مدينة ساحلية بنسبة 90% على السواحل الغربية والجنوبية والمجمعات الحضرية الكبرى مقابل 10% فقط للمناطق الوسطى لعدة أسباب من أهمها توفر البنية التحتية المناسبة، إلا أن تعديلاً جوهرياً طرأ عام 2010 في نظم الحوافز الضريبية وغير الضريبية تضمن السماح للشركات المستثمرة المحلية والأجنبية بتمويل مشروعاتها عن طريق إصدار سندات مديونية في السوق المحلية، وذلك لاجتذاب مزيد من الاستثمارات للمناطق الوسطى وتصحيح الخلل في التوزيع المناطقي والنوعي للمشروعات التنموية. وذلك لتشجيع توطين الاستثمارات في المناطق الوسطى في قطاعات مختارة منها مشاريع الخدمات ومشاريع الكفاية في الطاقة والمشروعات الصديقة للبيئة والصناعات التي توظف تطبيقات تكنولوجية عالية.
وأتوقع أن تتمكن الصين قريباً من تحقيق نقلة تنموية جديدة في المناطق الأقل نمواً من البلاد، وذلك لأنها مازالت الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية في استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحسب أحدث مسح إحصائي وتوقعات لتقارير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
والحقيقة أن ما يميز التجربة الصينية في التنمية وما يتبعها من تخفيض لمعدلات البطالة والفقر هو استقلاليتها بالدرجة الأولى بمعنى أن برامجها التنموية وجهودها في مكافحة الفقر هي(صناعة صينية) بحته، تم تصميمها وتنفيذها بأفكار وأيد صينية مع انفتاح اقتصادي إنتاجي كامل على الاقتصاد العالمي وشراكات مفيدة مع حكومات وشركات عالمية كبرى.
ولذلك أشارك السيد (حامدون علي) إعجابه الشديد بالتجربة الصينية ودعوته لكافة دول العالم للتعامل معها كمثال يحتذى، والاسترشاد بها وبتجارب الدول الأخرى التي سبقتها على طريق النمو في تصميم نماذجها الخاصة بأيدي أبنائها الذين يعرفون ظروفها وإمكاناتها ومدارج النجاح فيها. فلم تخيب الصين ظنّه ولا ظن كل من تفاءلوا بتجربتها الفريدة في محاربة الفقر، فقد تمكنت بحلول عام ٢٠١٩م من تخفيض معدل الفقر بين مواطنيها الى ٦٪ بحسب تعريف الأمم المتحدة المحدث لخط الفقر العالمي دون (٢،١٥ دولار/للفرد/ في اليوم الواحد)، كما خفضت نسبة من يعيشون بدخل يقل عن (١٠دولار/للفرد/ في اليوم الواحد) الى (٤٣٪)، ومن يعيشون بدخل يقل عن (٥،٥ دولار/ للفرد/ اليوم الواحد) الى (١٤.١٪) فقط. بل ان مجموعة البنك الدولي للمتابعة تتحدث بإعجاب عن تمكن الصين من انتشال ٨٠٠ مليون من مواطنيها من الفقر لمستويات معيشية لائقة بحلول ٢٠٢٢م.


