تجربة مناطق الأعمال البريطانية في تطوير المناطق المتقادمة
- Jun 23, 2023
- 4 min read
تصور هول منطقة الأعمال كبقعة جغرافية تزال منها الضرائب والأعباء المالية والقيود التنظيمية على الأعمال التجارية التي يمكن إزالتها لغرض تحفيز النمو الاقتصادي في تلك البقعة

عند الحديث عن المدن ومراكز التجمع الحضري تتلاشى الفروق بين مدن العالم الأول والعالم الثالث. فمدن العالم الأول فيها أحياء تعاني الفقر والتخلف وانتشار الأوبئة والأمراض العضوية والاجتماعية. وعلى النقيض من ذلك نجد مدناً في دول العالم الثالث ومع وجود التخلف في العديد من أحيائها فيها أحياء مجهزة بتجهيزات عمرانية وتقنية يندر وجودها في بعض مدن العالم المتقدم.
ولقد لاحظ المختصون في بعض الدول المتقدمة أن انحدار بعض الأحياء في كافة المدن كبيرة كانت أو صغيرة هو عملية مستمرة ومتزايدة تدفع الكثير من السكان والصناعات إلى الهجرة إلى أحياء أخرى أو مدن أخرى أو حتى إلى الأرياف ما يضاعف من حجم المشكلة ويزيد من تردي الأوضاع في الأحياء التي تعاني هذه الظاهرة بصفة خاصة والمدن التي تقع فيها بصفة عامة.
ووجد الخبراء أن تفريغ هذه الأحياء المتقادمة من سكانها ونقلهم إلى أحياء جديدة لا يعتبر حلاً عملياً للمشكلة، لأن هذه الأحياء حتى وإن فرغت من سكانها تظل مأوى للأوبئة وعصابات الإجرام المنظم والمتشردين والحيوانات الضالة وتبقى بقعاً قبيحة تشوه الحياة الحضرية والمظاهر الجمالية للمدن التي تقع فيها إضافة إلى ما يفرضه وجودها على مخططي المدن من ضرورة التوسع العمراني الأفقي الذي لا يخفى على أحد ما يمثله من أعباء اقتصادية إضافية تعجز العديد من الدول عن تحملها. وعليه فقد كان لابد من البحث الجاد للوصول إلى حلول عملية للمشكلة تضمن الإقبال على السكن والاستثمار في الأحياء التي تعاني انحدارا في الظروف المعيشية أو على الأقل تحسين ظروف الأشخاص والمؤسسات المقيمين فيها لإقناعهم بجدوى البقاء وعدم التفكير في الهجـرة .
وكحل للمشكلة ظهرت فكرة مناطق الأعمال – Enterprise Zone سنة 1976 على يد البروفيسور الإنجليزي بيتر هول Peter Hall ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليتلقفها العديد من المخططين المتلهفين في كافة المستويات وليكيفوها لتخدم ظروف كل مدينة وولاية. ولقد تصور هول منطقة الأعمال كبقعة جغرافية تزال منها الضرائب والأعباء المالية والقيود التنظيمية على الأعمال التجارية التي يمكن إزالتها لغرض تحفيز Stimulateالنمو الاقتصادي في تلك البقعة. ووجد هول أيضاً أن الانحدار والمصاعب التي تعانيها بعض المناطق لم تكن نتيجة للقيود والضرائب والتنظيمات الحكومية وأنها انحدرت إلى مستوى لا يمكن التعامل معه وأن الطريق الأمثل للتعامل معها هو في إزالتها والاستفادة من مواقعها في إنشاء مناطق أعمال جديدة. وكان هول يأمل أن يستفيد الاقتصاد البريطاني من مناطق الأعمال من طريقين الأول هو في إنتاج المدخلات من المواد التي تستخدم في الصناعات الجديدة التي تنشأ في مناطق الأعمال الجديدة، والثاني هو في إتاحة الفرصة لتوظيف المواطنين البريطانيين في مناطق الأعمال.
وتستند فكرة مناطق الأعمال أو مناطق التنمية الاقتصادية Economic Development Zones التي استعرضناها في مقدمة هذا الكتاب تحت عنوان (خلفية نظرية مبسطة) على نظرية القاعدة التصديرية التي وضع أساسها الاقتصادي الإنجليزي الشهير كينز Keynes وتبناها من بعده تلاميذ مدرسته المعروفون باسم الكينزيون المحدثون Post – Keynesians أو الدعاة إلى التنمية من جانب الطلب Demand Side Growth Advocates.

ولذلك يلاحظ أن المخططين الساعين لتصميم مشروعات تنموية للمدن أو الأحياء يطبقون أساسيات اقتصادية تطويرية تزيد من القيمة الإجمالية للعمل والسلع والخدمات التي تصدرها أو تحلها تلك المدن أو الأحياء المستهدفة محل المستوردة من خارج دائرة الاقتصاد الصغير للحي أو المدينة. وهذه النشاطات الاقتصادية التي تصدر أو تجلب النقود للمدينة أو الحي أو توفر عليها تسرب نقود كانت تدفع لمنتجين خارجيين تسمى نشاطات القاعدة الاقتصادية Economic Base Activities أو نشاطات القاعدة التصديرية Export Baseأما النشاطات التي تؤدي إلى تحويل النقود المجلوبة أو المكتسبة بين السكان المحليين في المدينة الواحدة أو الحي الواحد دون اشتراك عنصر خارجي كأن يفتتح أحد سكان الحي نادياً رياضياً خاصاً تقتصر عضويته على أبناء الحي فقط مقابل رسوم معينة يدفعونها له فتسمى نشاطات السوق المحلية Local Market Activities وهذا التمييز بين النشاطات الاقتصادية مهم حيث أنه من منظور النماذج التي بنيت على نظرية الكينزيين المحدثين فأن نمو القاعدة الاقتصادية (التصديرية والإحلالية) هو الذي يؤدي إلى نمو الاقتصاد بشكل عام.
وعليه فلا بد من التركيز على توسيع القاعدة الاقتصادية من جهة أو إحلال سلع وخدمات بديلة للسلع والخدمات المستوردة من جهة أخرى لان الاستيراد في ظل هذه الظروف النظرية يعتبر تسريباً للنقود من النظام المحلي للخارج .ولهذا يركز المخططون على زيادة القيمة الإجمالية للصادرات بتطبيق نوعين من السياسات الاقتصادية أولاهما سياسة تنمية الأعمال والتي تتضمن زيادة القيمة الإجمالية للسلع والخدمات المصدرة إما بزيادة كميتها أو بتخفيض تكاليف إنتاجها ، وثانيتهما سياسة تنمية الطاقة البشرية والتي تتضمن زيادة القيمة الكلية من مردود عمالة السكان المحليين المصدرة أو العاملة في نشاطات تصديرية إما بزيادة حجمها أو بزيادة إنتاجيتها .
ونظراً لان أهم الأهداف المنشودة من إنشاء مناطق الأعمال هو جذب المؤسسات والأعمال التجارية للعمل فيها لأحيائها وتحويلها إلى مراكز سكن وإنتاج سلع وخدمات يمكن تصديرها سواء إلى باقي الأحياء في المدينة الواحدة أو إلى أي جهة أخرى داخل البلاد وخارجها فالتمييز بين النشاطات التصديرية والنشاطات المحلية يعتبر مهماً كخطوةٍ أولى في تصميم وتحليل خطط التنمية ولكنه ليس كافياً إذا لم نأخذ في الاعتبار تأثيره المحتمل على قرارات المؤسسات التوطينية والتوسعية . ولا يمكن اعتبار الخطة ( أي خطة ) فعالة إلا في حالة واحدة فقط وهي أن ينتج عن تطبيقها وضع لم يكن ليكون لو لم تطبق .وعلى هذا الأساس فإن أي إقراض للنقود أو إعانة أو أي ترتيبات أخرى لدعم المؤسسات التجارية لتقوم بعمل شيء كانت ستقوم به على أي حال لن يكون له أي تأثير إيجابي على الفعالية التكاليفية للخطة Cost – effectiveness ونقول في هذه الحالة أن فعاليتها التكاليفية تساوي صفراً .
ومن هذا المنطلق يجب أن يكون استخدام الحوافز المالية في أضيق نطاق وأن ينحصر في مؤسسات بعينها وهي تلك التي تكون أكثر استجابة للمؤثرات من غيرها والتي يمكن أن توصف بأنها هامشية أو أنها تعمل على الهامش At the margin والتي قد تتبنى قرارات تذهب بها في أي اتجاه. ولكنه من الصعوبة بمكان تحديد هذا النوع من المؤسسات فهو يختلف من مدينة إلى أخرى وفي المدينة الواحدة بمرور الوقت.
وهذا التحديد للمؤسسات الهامشية مهم للغاية لكي لا تذهب الإعانات إلى من لا يستحقها كما حصل في التجربة البريطانية فبعد إعلان بعض الأحياء والمناطق في المدن البريطانية كمناطق أعمال وتقديم الإعانات والتسهيلات للمؤسسات العامة فيها والمنتقلة إليها قامت الحكومة البريطانية في وقت لاحق بتوظيف مؤسسة استشارية لجمع البيانات عن هذه المناطق والمؤسسات العامة فيها لتقييم أدائها خلال السنوات الثلاث الأول.وقد أفادت المؤسسة الاستشارية بأن اكثر من (10.000) عشرة آلاف وظيفة جديدة قد أحدثت في حوالي (1000) ألف مؤسسة تعمل في هذه المناطق. ولقد كانت هذه الأرقام مذهلة قبل تحليلها ولكن بعد التحليل تبين أن (75%) خمسة وسبعين بالمائة من هذه المؤسسات الجديدة أي (750) سبعمائة وخمسين كانت قد اختارت مواقعها في المناطق التي أعلنت كمناطق أعمال حتى ولو لم تكن برامج هذه المناطق موجودة. وقد أدت هذه النتيجة إلى إعادة النظر في برامج مناطق الأعمال لتستهدف المؤسسات التي تعمل على الهامش والتي كان من الممكن أن يتبدل سلوكها بتقديم الحوافز لها.


