top of page

حكاية بقرة وامرأة عمياء

  • Jun 14, 2023
  • 3 min read


الاستثمار في المعلوماتية خاصة على أي مستوى مهما كان ضئيلاً يحسن حياة البشر ويعينهم على مواجهة مصاعب الحياة ويحميهم من الاستغلال والابتزاز من السماسرة ومن فساد بعض موظفي الخدمة العمومية



هذه تجربة تنموية صغيرة من الهند من ضمن تجارب لا حصر لها أوردت عدداً منها في هذا


الكتاب. وفي هذه التجربة نرى كيف قامت بعض المؤسسات الخيرية الريفية بتنفيذ مشاريع تهدف من ورائها إلى تجهيز البنية المعلوماتية القروية للاتصال بالعالم عن طريق الإنترنت وتوفير المعلومات اللازمة للفلاحين وسكان الأرياف لتسهيل أمور حياتهم اليومية ورفع مستوياتهم المعيشية. وتكمن قيمة هذه التجارب التي تطبق في واحدة من أفقر المناطق الريفية الهندية، في حال نجاحها، في إمكانية تعميمها على (600) ألف قرية على مستوى الهند وقد يتعدى تأثيرها حدود الهند إلى غيرها من الدول في جنوب آسيا التي يقطنها خمس سكان العالم ولم يتعد مستخدمو الإنترنت فيها وقت التجربة نسبة (1%) من المستخدمين في العالم مقارنة بأمريكا الشمالية التي لا يقطنها سوى (5%) من سكان العالم ونصيبها العالمي يزيد على النصف من مستخدمي هذه القناة المعلوماتية الهامة.


وتتلخص إحدى التجارب الهندية التي استعرضتها (سيليا داجر) في جريدة (نيويورك تايمز) سنة 2003 بتجهيز إحدى المنظمات الخيرية لحجيرات صغيرة في بعض البيوت أو دور العبادة في قرى ولاية (تاميل نادو) أفقر ولايات الجنوب الهندي بأجهزة حاسب آلي تعمل بالطاقة الشمسية لعدم توفر الكهرباء في تلك القرى ضمن برنامج لم يكلف سوى (120) ألف دولار ممنوحة من الحكومة الكندية لتمويل تزويد عدد من القرى بالخدمات المعلوماتية. وتقوم المنظمة الخيرية بتزويد القرى المحتاجة بالتكنولوجيا المعلوماتية التي لا تزيد عن جهاز حاسب آلي وموصل بيانات وطابعة وبطارية تشغيل مجاناً مقابل توفير المكان من قبل القرويين وتشغيله من قبل أبنائهم دون مقابل. ورغم صعوبة التعامل مع شبكة الإنترنت التي تسودها اللغة الإنجليزية التي لا يجيد التحدث بها سوى نسبة لا تتعدى (5%) من سكان الهند وانقطاع التيار الكهربائي وعدم توفره في آلاف القرى وأحمال الاتصال التي تعجز الشبكات المحلية الفقيرة عن استيعابها، ورغم الحملات المضادة التي اعتبرت أن الصرف على المدارس والمستشفيات وتنقية المياه أجدى من الصرف على الإنترنت التي تعتبر من قبيل الرفاهية الزائدة في أرياف تثقل كاهلها معدلات الأمية العالية والخدمات الصحية المتدنية، إلا ان المنظمة الخيرية استطاعت أن تثبت ان جهاز كمبيوتر مرتبط بحاجات الناس وموصل بقاعدة بيانات منظمة ومكتوبة باللغة المحلية لا يقل في أهميته وفائدته عن بئر تحفر للري أو مضخة للمياه أو حراثة للأرض. وقد تبين القرويون ذلك عندما دخلت البقرة الوحيدة التي تملكها عائلة فقيرة في إحدى القرى مخاض ولادة تعسرت حتى كادت أن تنفق البقرة لولا استخدام الإنترنت من خلال جهاز الكمبيوتر الوحيد المتوفر في القرية في توجيه نداء لكافة الأطباء البيطريين في المناطق المجاورة التي لا يمكن الاتصال بها بالوسائل العادية ليتفاجأ أهل القرية ليلاً بوصول طبيب بيطري متطوع قام على الفور بتوليد البقرة وإنقاذ حياتها والأهم من ذلك إنقاذ مستقبل عائلة كاملة من فقدان أربعة جوالين من الحليب هي إنتاج البقرة في اليوم ومصدر الرزق (الوحيد) لتلك العائلة.


حالة أخرى لسيدة مسنة شعرت وكأنما غمامة غشيت عينيها ومنعتها من الرؤية، فتم البحث في قاعدة البيانات عن منقذ ليتبين وجود فريق من الأطباء في زيارة لمقاطعة مجاورة ومن ضمنهم جراح عيون تم نقل السيدة إليه لمعاينتها فأجرى لها عملية إزالة المياه الزرقاء ليعود لعينيها الإبصار مرة أخرى.


أما المزارعون من القرويين فقد أصبح من السهل عليهم التعرف على أسعار السلع والمنتجات الزراعية في القرى والمناطق المجاورة ما ساعدهم في تجنب الوقوع في حبائل الوسطاء الذين يحجبون عنهم المعلومات ويستغلون جهلهم بمستويات أسعار منتجاتهم في القرى والمقاطعات القريبة ليبتزوهم ويبخسوهم حقوقهم.


وحتى صيادي الأسماك الذين يستخدمون القوارب الخشبية الشراعية في طلب الرزق استفادوا من وجود هذه الأجهزة وأصبح بإمكانهم توفير الجهود وتجنب المخاطر التي قد تصل إلى حد الغرق وفقدان الحياة بزيارة قصيرة لمشغل الكمبيوتر في القرية ليعلمهم بتوقعات ارتفاع الأمواج وسرعة الرياح في خليج البنغال خلال الأربعة والعشرين ساعة القادمة من خلال خريطة ينزلها من موقع أمريكي خاص بتوقعات الطقس على مستوى العالم.


تجربة أخرى قامت بها مؤسسة خيرية أخرى تمثلت في تزويد حكومة المقاطعة بحاسب مركزي تحفظ عليه كافة السجلات والمعاملات والنماذج والشهادات التي يحتاجها المواطنون، وتم توصيله لاسلكياً بعدد من الأجهزة المزودة بالبطاريات لتشغيلها في عدد من القرى التي كان الموظفون الرسميون في المستويات الدنيا يحتكرون تجارة المعلومات فيها ويماطلون في تزويد القرويين بها ما لم يدفعوا لهم إكراميات أو رشاوي. وقد قاوم أولئك الموظفون المشروع بقوة لولا الجهود المضنية التي بذلتها حكومة المقاطعة والمؤسسة المانحة لاستكمال المشروع وتشغيله وتعويد الناس عليه حتى أصبح القروي يأتي إلى مشغل كمبيوتر القرية ويدفع رسماً زهيداً للحصول على المعلومات أو النموذج أو الشهادة التي يريد من الحكومة، كما أنه أصبح بإمكانه أن يوصل شكواه بالبريد الإلكتروني للمسؤولين في المقاطعة مقابل رسم بسيط للموظف مقابل كتابته للمعروض وإبلاغه بالنتيجة خلال أيام قلائل.


هذه بعض الجهود البسيطة في شكلها العظيمة في مضمونها التي تبذلها مؤسسات أهلية غير ربحية وسلطات ريفية محلية لتطوير أنظمة معلوماتية في قرى فقيرة تقع في أرياف فقيرة قد تصل قيمة المعلومة التي تمس حياة الناس فيها مثل ولادة بقرة أو علاج مصاب أو رحلة صيد إلى حد الموت أو الحياة.



يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page