top of page

فحول الريف


بلغة المعايير فإن (تعداد المتحركات الكلي) الذي يعتبر أحد معايير الفحولة لدى الرجال والذي يأخذ في الاعتبار كثافة أو تركيز الحييوينات وحجمها ونسبة المتحرك منها في سوائلهم كان في كولمبيا أقل منه في منيسوتا بنسبة 58 في المائة



لعل صورة الرجل الريفي التي تتبادر لأول وهلة للأذهان هي أنه مثال للاستقامة في خلقه وللنقاء في سريرته وللرجولة في أفعاله وحتى للفحولة في قدراته الرجولية بدلالة تعدد زوجاته وكثرة أبنائه، ولربما كانت هذه الصفة الأخيرة بمثابة الميزة التي يتميز بها الرجل الريفي على نظرائه في الحواضر الكبيرة، والريفي يحس بالتأكيد بهذا التميز ولا ينسى الغمز من طرف خفي من قناة نظرائه من رجال الحواضر بتذكيرهم دوماً بهذا التميز ولذلك هو لا ينسى تكرار وصفته الأزلية على مسامع أصدقائه من الحضر إن شكا له أحدهم من جور زوجته أو تقصيرها بحقوقه بضرورة أن يقتدي به ويتزوج من أخرى وأخرى حيث أنه لا يفل الحديد، من وجهة نظره، غير الحديد..


ولكن يبدو أن حقائق جديدة بدأت تظهر إلى حيز الوجود قد تؤدي إلى انقلاب الآية وإنتهاء أسطورة الفحولة التي يظن تميز الرجل الريفي بها حتى الآن، فقد نشرت في عدد نوفمبر الحالي من هذا العام في مجلة توجهات في صحة البيئة Environmental Health Perspectives دراسة أجراها فريق من الباحثين برئاسة البروفيسورة شانا سوان، أستاذة طب الأسرة والمجتمع في جامعة كولمبيا/ ميزوري، تثبت أن الرجال الريفيين يعانون من ضعف حقيقي في إنتاج الحييوينات المنوية، أي أن إنتاجهم من تلك الحييوينات يعتبر رديئاً إذا ما قورن بنظرائهم من الرجال في الحواضر الكبيرة، وقد توصلت الباحثة وفريقها إلى هذه النتيجة المفاجأة والمخالفة للانطباع الشائع بمقارنة 903 عينة من السوائل المنوية مأخوذة من 512 رجلاً في أربعة مواقع هي كولمبيا/ميسوري ومدينة نيويورك ومدينة لوس أنجلوس ومدينة مينابولس/منيسوتا، ومن هذه المواقع تعتبر مدينة كولمبيا في ميسوري منطقة ريفية باعتبار أن المزارع تحتل 57 في المائة من مساحتها في حين أن المناطق المزروعة في المدن الثلاثة الأخرى لا تزيد على 19 في المائة من المساحة الكلية لكل منها.


ولقد كان عدد الحييوينات المنوية المتحركة للرجال الريفيين الأقل في العينات البحثية المأخوذة من المواقع الأربعة حيث بلغ متوسطها عند رجال كولمبيا 113مليون وهذا متوسط منخفض جداً مقارنة بـ 201 مليوناً لدى رجال مينابوليس و 196مليوناً لدى رجال مدينة نيويورك و 162 مليوناً لدى رجال لوس أنجلوس، وبلغة المقاييس فإن (تعداد المتحركات الكلي) الذي يعتبر أحد مقاييس الفحولة لدى الرجال والذي يأخذ في الاعتبار كثافة أو تركيز الحييوينات وحجمها ونسبة المتحرك منها في سوائلهم كان في كولمبيا أقل منه في منيسوتا بنسبة 58 في المائة حسب دراسة سوان، وباستخدام مقياس آخر للفحولة وهو مدى كثافة أو تركيز Concentration الحييوينات المنوية في (المليلتر) الواحد وجدت سوان وفريقها البحثي أن الرجال الريفيين هم الأسوأ أيضاً، وحسب هذا المقياس فإن كثافةً أو تركيزاً للحييوينات يقل عن 40 مليون في المليلتر الواحد يعتبر باعثاً على القلق لدى بعض الخبراء حسب توضيحات سوان التي وجدت أن معظم الرجال من العينة التي أخذت من رجال كولمبيا يعانون من ضعف في الكثافة يقل عن الأربعين مليون.


ولقد كانت هذه النتائج بمثابة الصدمة للبروفيسورة سوان وفريقها البحثي لتوقعها المسبق بأن تكون نتيجة البحث هي العكس تماماً ظناً منها، حسب الإنطباع الشائع، أن رجال المدن أقل فحولة بسبب الملوثات، ولذلك هي تعتقد الآن وفي ضوء هذه النتيجة غير المتوقعة لبحثها أن الكيماويات الزراعية التي تستخدم بكثافة في المناطق الزراعية ربما كانت مسؤولة عن هذه النتيجة ولكنها لا تجزم بذلك قبل إجراء مزيد من البحث والتقصي في مناطق زراعية أخرى، ولذلك قررت أن تجري في المستقبل القريب بحوثاً مكثفة في مدينة أيوا في ولاية أيوا التي تستخدم الكيماويات الزراعية فيها بشكل أكثر كثافة مما هو في كولمبيا.



وتستند سوان في اعتقادها بمسؤولية الكيماويات الزراعية على بعض الشواهد التاريخية المتفرقة التي لم تتأكد بعد والتي منها حالة مرت على الدكتورة كابي روثمان مديرة أحد بنوك الحييوينات في كاليفورنيا وأحدى أخصائيات علاج أمراض العقم التي تذكر أنها كانت تعالج رجلاً ريفياً نما وترعرع في الأرياف من العقم في أواخر الثمانينات ثم تبين أنه كان يعتمد في الشرب على ماء بئر تبين فيما بعد أنها ملوثة بالكيماويات الزراعية، ورغم عدم ظهور ما يثبت أن الكيماويات الزراعية كانت خلف عقم الرجل حسب إفادة روثمان إلا أنها تظن أيضاً أنها السبب وتطرح تساؤلات أكثر خطورة منها أنه طالما أن دراسة سوان وفريقها أثبتت، على الأقل، أن الحييوينات المنوية لدى الرجال في المناطق الريفية تموت فما الذي يحدث لباقي الجسم بالنسبة للرجال؟ وهل يتأثر الأطفال حالاً في صغرهم أو أن التأثير يبدأ فقط بعد البلوغ؟ وماذا عن الخصوبة لدى النساء؟ وماذا عن التأثير على أجساد النساء؟


ورغم أن الدكتورة سوان تطمئن الرجال الريفيين بأن بإمكانهم الاستمرار في إنجاب الأبناء حتى في ظل ضعف الفحولة الحالي بدلالة أن أفراد عينتها الريفيين لديهم أطفال إلا أنها تنصح نساءهم بالصبر لأن موضوع الحمل يمكن أن يأخذ وقتاً أطول من المعتاد. ويبقى أن نعرف أن دراسة سوان، وإن لم تتأكد نتائجها رغم الشواهد الظاهرة، فتحت الباب على مصراعيه لمزيد من الأبحاث والدراسات في هذا الاتجاه لحماية الانسان وتوفير افضل الاشتراطات لحياة صحية امنة..

يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page