top of page

كبرياء الفقراء

  • Jun 17, 2023
  • 3 min read


وتبقى زمبابوي برفضها لإعانة غذائية مشكوك في سلامتها في وقت ربما كانت تمثل فيه حداً فاصلاً بين الموت والحياة لكثير من مواطنيها مثالاً فريداً من نوعه بالاعتزاز بكرامة الإنسان رغم الفقر ورغم الجوع ورغم القوة الأمريكية الغاشمة لتذكر العالم من جديد بمقولة نبي الله موسى الخالدة

.. ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان..



رفضت حكومة زمبابوي في شهر يناير من العام 2002م قبول إعانة غذائية أمريكية مقدارها 10 آلاف طن من الذرة بسبب عدم إرفاق شهادة مصدقة من الحكومة الأمريكية بسلامة البذور التي استخدمت في انتاجها من التعديل الجيني أو الوراثي.


ورغم أن زمبابوي هي واحدة من عدّة دول جنوب افريقية أخرى، منها مالاوي وليسوتو وسوازيلاند وموزمبيق، كانت مهددة بخطر المجاعة خلال الأشهر القليلة التي تلت تاريخ تقديم تلك الإعانة حسب تصريح للأمين العام للأمم المتحدة إلا أن موقفها برفض قبول الإعانة الأمريكية كان موقفاً مبدئياً نادراً بالنسبة لبقية الدول الفقيرة الأخرى التي تتلقى في ذلك الوقت إعانات غذائية ربعها من محاصيل منتجة من بذور معدلة وراثياً، ويتوقع أن تكون هذه النسبة قد ارتفعت إلى ثلاثة أرباع مع بدء إنتاج القمح المعدل بأساليب الهندسة الوراثية.


ولقد كان رفض زمبابوي للإعانة بمثابة الصدمة المذهلة للحكومة الأمريكية ولمؤسسات الأعمال العاملة في هذا المجال وفي مقدمتها شركة "مونسانتو" الأمريكية العملاقة التي لا يشبهها في ضخامة حجمها وتعدد مجالات استثمارها في هندسة المحاصيل الوراثية إلا شركة "مايكروسوفت" في مجال تقنية المعلومات. ولم تكن الصدمة بسبب الخوف على مصير شعب حديث الاستقلال (1980م) يصل تعداده إلى حوالي اثني عشر مليون نسمة ربعهم من الجياع وجلهم من الفقراء عدا قلة أوربية بيضاء مالكة للأراضي الزراعية منذ أيام الفصل العنصري عندما كان اسم البلاد "روديسيا"، ولكن بسبب جرأة دولة فقيرة على الخوض في موضوع محظور يتعالى اللغط فيه بين الهيئات العلمية والمصلحية المختلفة ولم يتوقع أحد أبداً أن تسجل فيه دولة فقيرة نامية موقفاً تاريخياً مثيراً مثلما فعلت زمبابوي.


ولذلك لم تصمت جماعات الضغط المصلحي السياسية المؤثرة، بل كثفت جهودها في الضغط على الحكومة الأمريكية لتبنى موقف مؤسسات الأعمال الأمريكية ذات المصلحة في مؤتمر الأمم المتحدة العالمي الثاني للغذاء الذي تعارف الصحفيون على تسميته بــ(قمة الجوع الثانية) والذي اختتم أعماله في روما في وقت لاحق بعيد ذلك الرفض، لأن خسارة معركة في حرب الهندسة الوراثية لصالح دولة فقيرة في مجال الأغذية المعدلة حيوياً يعتبر سابقة خطيرة لا يمكن السكوت عليها من وجهة نظر مؤسسات الأعمال الأمريكية التي تسعى بجد وثبات نحو الهيمنة على الصناعة العالمية لهذا النوع من الأغذية ولا من وجهة نظر الحكومة الأمريكية التي أصبحت صدور مسئوليها ضيقة ولا تحتمل أي معارضة في ضوء حربها المعلنة على ما يسمى بالإرهاب والتي يبدو أنها بدأت تمتد لتشمل كل من يقول لا للسياسة الأمريكية في أي مجال من المجالات ومنها مجال الأغذية المعدلة جينياً على وجه الخصوص.


وفي هذا المجال يشهد العالم تصلباً في الموقف الأوربي المعارض للتعديل الجيني والهرموني للأغذية، بل وتصاعداً في المقاومة الشعبية الأمريكية المحلية ونجاحات كبيرة لجماعات الضغط المناوئة التي أثمرت تمرير مشروع قرار من الكونجرس الأمريكي يفرض لأول مرة على منتجي تلك الأغذية المعدلة جينياً وضع ملصقات تفيد بذلك على عبوات المواد الغذائية المعدة للاستهلاك الآدمي والمعروضة للبيع في المطاعم والأسواق.


ورغم ذلك، كان الموقف الأمريكي الرسمي مطابقاً لموقف مؤسسات الأعمال الأمريكية في تصلبه ورفضه للمساومة والنقاش بخصوص الأغذية المهندسة وراثياً في المؤتمر الذي اختتم أعماله بحضور ممثلين لأكثر من مائة وثلاثين دولة منهم ثمانين رئيس دولة من ضمنهم روبرت موجابي رئيس زمبابوي الذي رفض الهدية الأمريكية ولكنه عجز مثل غيره في المؤتمر عن مقاومة الإرادة الأمريكية الطاغية التي فرضت على الجميع إيراد نصوص في بيان المؤتمر الختامي يعترف المؤتمرون فيها بسلامة وجدوى الأغذية المنتجة باستخدام التكنولوجيا الحيوية بل والتقرير بأنها المخرج الوحيد للدول النامية من نقص الأغذية لديها وبأنها الوسيلة القادرة على تحقيق الهدف الذي تسعى الأمم المتحدة لتحقيقه منذ مؤتمر الغذاء الأول سنة 1994م بتخفيض عدد الجياع في العالم من 800 مليون نسمة إلى 400 مليون بحلول سنة 2015م.


ولكن الذي حصل بين مؤتمري 1994م و 2002م هو أن عدد الجياع تضاعف في العالم ليصل إلى أكثر من ألفي مليون جائع وليموت من الجوع أو من أمراضه حوالي 24 ألف إنسان يومياً، وحتى يحسم الجدل بشأن الجوع والإرهاب وما إذا كان أي منهما سبباً للآخر أو نتيجة له وما إذا كانت البيضة من الدجاجة أو الدجاجة من البيضة يبقى شبح الجوع قائماً يهدد العالم كل يوم ببسط ردائه الكالح المقيت على مساحات جديدة من الأرض ويلف في ظلامه الدامس آلافاً جديدة من الناس، ولكن تبقى زمبابوي برفضها لإعانة غذائية مشكوك في سلامتها في وقت ربما كانت تمثل فيه حداً فاصلاً بين الموت والحياة لكثير من مواطنيها مثالاً فريداً من نوعه بالاعتزاز بكرامة الإنسان رغم الفقر ورغم الجوع ورغم القوة الأمريكية الغاشمة لتذكر العالم من جديد بمقولة نبي الله موسى الخالدة .. ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page