مشروع (سْفير) أو الميثاق الإنساني ومعايير الحد الأدنى لمواجهة الكوارث
- Jun 12, 2023
- 4 min read
مشروع دولي غاب عنه العرب لكتابة الميثاق الإنساني العالمي لتحديد معايير الحد الأدنى لمواجهة الكوارث رغم أن العرب هم أكثر الناس حاجة له من أية أمة أخرى بسبب ما يعانيه العالم العربي من تداعيات للانفلات الأمني وظهور الجماعات الإرهابية المقاتلة التي لا تهتم بحقوق الإنسان ولا بما تسببه من معاناة إنسانية للمنكوبين

كلمة سفير Sphere التي يتسمى بها المشروع تعني "بيئة معينة أو أسلوب حياة"، وتعني أيضاً "منطقة جغرافية يسيطر عليها أي شعب دون غيره من الشعوب"، كما تعني "جانباً معيناً من الحياة أو النشاط"، وتعني أيضاً "نجماً أو كوكباً سيّاراً"، وهي تعني هنا "الكرة الأرضية أو العالم أجمع".
ومشروع سفير الذي بدئ العمل به اعتباراً من سنة 1997م هو مشروع دولي مستقل، وهو نتاج لتعاون مجموعة من الهيئات الإنسانية وغير الحكومية NGO's بالتعاون مع الاتحاد العالمي لهيئات الهلال والصليب الأحمر الدوليين لرسم (إطار عالمي عام) يسترشد بميثاق العمل الإنساني لتحديد معايير الحد الأدنى لمواجهة الكوارث التي تجتاح المجتمعات الإنسانية المتضررة من الحروب والنكبات الطبيعية في خمسة مجالات أساسية هي: إمدادات المياه والصرف الصحي، والتغذية، والإعانات الغذائية، والمأوى، والخدمات الصحية.
ويهدف المشروع الذي يتخذ من جنيف مقراً له إلى تحسين نوعية المساعدات الإنسانية التي تقدم لضحايا النكبات أياً كان مصدرها، كما يهدف إلى تحسين (مدى الاعتمادية) على نظام الخدمات الإنسانية في مواجهة الكوارث. ويقوم على مبدأين أولهما: ضرورة اتخاذ كافة الإجراءات الممكنة لرفع المعاناة عن المتضررين من الصراعات العسكرية ومن مختلف الكوارث والنكبات الطبيعية وغير الطبيعية بكل صورها ومستوياتها، وثانيهما: ضمان حق المنكوبين بالعيش بكرامة، وبالتالي ضمان حقهم في المساعدة.
ولقد مر المشروع بثلاث مراحل في تطوره لما هو عليه اليوم. تركزت الجهود في أولاها ( 1997-98م) على إنجاز الطبعة الأولى من دليل أو مرشد الميثاق الإنساني، ومعايير الحد الأدنى لمواجهة الكوارث، وقد شارك في هذه المرحلة 300 شخص يمثلون 60 دولة وينتمون إلى هيئات وطنية ودولية وأكاديمية متعددة، إضافة إلى العديد من المنظمات والهيئات الإنسانية غير الحكومية، أما ثانيتها (98-2000م) فقد كانت مرحلة التجريب والتعديل والإضافة حيث تبنت 20 وكالة دولية وأهلية ميثاق المشروع من خلال تدريب أعداد من المختصين على تطبيق محتويات المرشد على مشاريع تجريبية، وعلى ضوء نتائجها تم إدخال المزيد من التعديلات والتحسينات على المرشد وعلى برامج التدريب، أما المرحلة الثالثة ( 2000-2004م) فيمكن أن تسمى مرحلة التقويم النهائي حيث تم التركيز فيها على ثلاثة أقاليم من العالم بهدف البناء الهيكلي للمؤسسات الإنسانية وتكثيف التجارب التي أمكن تعميمها بنهاية المرحلة على كافة الدول المتعاونة.
وبمراجعة أسماء الأشخاص والهيئات الطبيعية والاعتبارية التي شاركت وما تزال في المشروع لا نجد أي أشخاص عرب أو هيئات عربية سواء على المستوى الأهلي أو حتى على المستوى الحكومي ما يعني أن لا أحد في المنطقة لديه خبر بما يجري ناهيك عن المشاركة في المشروع أو تبنيه، أما على المستوى الإسلامي فهناك بعض الهيئات والدول غير العربية التي تشارك في المشروع منها بعض الدول الأفريقية والوكالة الأفريقية الإسلامية للإغاثة.

وبالنظر إلى برامج التدريب في المشروع نجد أنها تركز على (تدريب المدرِّبين) حيث تعقد من حين لآخر حلقات تدريبية عالمية يشارك فيها العشرات من مختلف دول العالم ولم يشارك فيها من العالم العربي سوى شخص واحد من سوريا اسمه (هيثم البلتاجي) وشخص آخر من مصر اسمه (أيمن تقاوي).
والحقيقة أن ضآلة التمثيل العربي في المشروع وفي الفعاليات المتفرعة عنه وفي مقدمتها التدريب أمر يدعو للاستغراب، بل للرثاء، وذلك لحاجة الهيئات الإنسانية العربية الماسة لهذا النوع من التدريب أكثر من كافة الهيئات العالمية الأخرى لسبب بسيط هو أن معظم الكوارث التي تجتاح العالم من مجاعات ونزاعات عسكرية هي، في الآونة الأخيرة، من نصيب العالم العربي، ولا يعكس تفاعل الهيئات الإنسانية العربية مع تلك الكوارث والنكبات أي حس إنساني مرهف أو تفهم للدور المطلوب وهي بالتالي في أمس الحاجة للتخصص والتدريب على طرق وأساليب تقديم المساعدات والخدمات الإنسانية، فكثير من المساعدات الإنسانية التي قدمت وما زالت تقدم للشعب العراقي أو الفلسطيني، على سبيل المثال، أخذت طابع المنّ والتشهير وقوبلت بالرفض من المواطنين المستهدفين إلى درجة تعرض إحدى حملات الإعانة في العراق للقذف بالحجارة من المستهدفين بدلاً من الترحيب، وفي حملة أخرى من بلد عربي آخر يمثل فيه الأجانب بالنسبة للمواطنين نسبة لا تقل عن 7 إلى 1 ظهر أحد مواطني تلك الدولة، ويبدو أنه المواطن الوحيد في تلك الحملة، على شاشات الفضائيات وقد ارتدى معطفاً أبيضاً شبيهاً بالمعاطف التي يرتديها الأطباء ولكن فتحاته من الجانبين بدلاً من الأمام حتى يفسح المجال لكتابة إعلانات الحملة على صدره وعلى ظهره وأنها من البلد الفلاني وأنها من الزعيم الفلاني، لقد كان منظر الرجل مدعاة للسخرية والاشمئزاز معاً وهو يتحرك أمام الكاميرات وكأنه لوحة إعلانات رديئة، والمؤسف هو أن مثل هذه الممارسات من هيئات الإغاثة العربية كانت تجري في بعض المواقع الصغيرة والمخيمات في الوقت الذي كانت تهبط فيه طائرات نقل عملاقة في المطارات الرئيسية حاملة المساعدات الغذائية والطبية الغربية بكميات ونوعيات تفوق بكثير مثيلاتها العربية.
ولكن الملفت للنظر في صياغة مشروع (سْفير) ومؤسساته هو أنه في الوقت الذي كانت تحجم فيه الدول والهيئات العربية ومعظم الإسلامية عن المشاركة فيها، كانت الدول والهيئات الإنسانية الغربية ومنها الدينية المسيحية على وجه الخصوص، تكثف من مشاركاتها في مختلف فعالياته لتعزيز تواجدها على الساحة الدولية من خلال الخدمات والمساعدات الإنسانية مستفيدة من غياب تمثيلنا كدول وكأفراد، عن برنامج إنساني أممي تحول بمرور الزمن إلى (دستور ملزم) في العمل الإنساني ما يعني أننا سنجد أنفسنا خاضعين، مرة أخرى، لشروط العناصر الفاعلة في الساحة الدولية، ومبحرين في مركب لم نساهم في صنعه أو حتى في اختيار قبطانه أو أحداً من ملاّحيه.
لذلك أدعو كافة المسئولين عن العمل الخيري والإنساني في كافة دول العالم، وفي البلاد العربية على وجه الخصوص إلى قراءة مرشد مشروع (سْفير) على موقعه في شبكة المعلومات العالمية أو من النسخة الورقية لتدارك ما فاتها من هذا المشروع العملاق الهام والتحرك نحو المساهمة الفعالة في فعالياته، ففي المرشد شرح كاف لطريقة عمل المشروع وتفاصيل كثيرة نحتاجها في تنظيم العمل الإنساني وأساليب تنظيمه واختيار أشخاصه والقائمين عليه داخل وخارج البلاد، وفي المرشد طرق وأساليب علمية لا تقتصر على أوقات الكوارث والنكبات فحسب بل يمكن تطبيقها على المناطق البعيدة والفقيرة وربما تساعد المختصين في أجهزة الدولة المختصة على رسم الاستراتيجيات (الموعودة) لمحاربة الفقر وإنقاذ الفقراء. وأوصي الجميع بضرورة تجاوز كافة التحفظات والعمل على تلافي كافة العقبات التي تحول دون الإسراع في إرسال عدد من المختصين من العاملين في المؤسسات والهيئات الإنسانية الرسمية والأهلية ذات العلاقة للمشاركة في فعاليات دورات تدريب المدربين التي ينفذها مشروع (سفير) كمقدمة للمساهمة الفعالة في المشروع ولبناء القاعدة العلمية اللازمة للعمل الخيري والإنساني. فمن خلال هذا المشروع يتم رفع كفاءة العاملين في مجال العمل الخيري والإنساني وإعادة تنظيم الأجهزة والهيئات ذات العلاقة على أسس علمية ومهنية واضحة.


