top of page

٣ مقالات في الآثار المباشرة وغير المباشرة لاستضافة النشاطات الرياضية

Updated: Jul 2, 2023

كيناكو أفريكا

الآثار المباشرة لاستضافة جنوب أفريقيا لمونديال 2017



حتى لو اكتفت جنوب أفريقيا من استضافة المونديال في تحسين سمعة مدينة جوهانسبيرغ العريقة وتحسين ظروف العيش فيها، إلا أنه يجب ألاّ نتجاهل أن ترسيخ بنية رياضية تحتية متقدمة في مختلف المدن الجنوب أفريقية سينعكس بالتأكيد على مستقبل الأجيال، ويمنح البلاد أفضلية واضحة في استضافة نشاطات رياضية وأفريقية عالمية سيكون لها مردودات اقتصادية واجتماعية وحضارية مستمرة على مدى عقود قادمة


(كيناكو أفريكا – آن الأوان يا أفريقيا) هو الشعار الذي هتف به الرئيس الجنوب أفريقي (جاكوب زوما) عصر يوم الجمعة الثاني عشر من مايو ٢٠١٧م على مسمع من الدنيا بأسرها أمام الجماهير المحتشدة في ملعب (سوكر سيتي) في جوهانسبيرج بمناسبة افتتاح المونديال التاسع عشر. وبرفع هذا الشعار كان الرئيس يعبّر عن فرحة بلاده وكل أفريقيا بهذا المونديال الذي ينعقد على ثراها الطيّب لأول مرّة في التاريخ. ولقد كان تكريم العالم ممثلاً بالفيفا لبلاد الأيقونة الإنسانية الرفيعة نيلسون مانديلا بتسليمها قصب السبق في استضافة هذا المونديال تكريماً مستحقاً، ولا يزيد عن كونه لفتة اعتراف إنساني رمزية بكفاح الشعب الجنوب أفريقي الطويل الذي أسقط نظام الفصل العنصري البغيض وأثمر نظاماً تعددياً ديمقراطياً مختلطاً تمكنت الأغلبية في ضوئه من الوصول سنة 1994م إلى سدّة حكم البلاد.

وحينما هتف الرئيس زوما بشعاره كان قد فرغ للتوّ من عملية بناء وتجهيز استمرت على مدى الأعوام الأربعة التي سبقت ذلك اليوم المشهود، وانتهت ببناء خمسة ملاعب عالمية جديدة متعددة الأغراض في خمس مدن، وتجديد وترميم خمسة ملاعب في خمس مدن أخرى بقيمة تخطت 12 مليار دولار وذلك لاستضافة 64 مباراة في كرة القدم هي إجمالي مباريات المونديال على مدى شهر من الزمان.


واستضافة الفعاليات الرياضية والسياحية الكبيرة ليست بالأمر الجديد أو الطارئ على جنوب أفريقيا فقد سبق أن استضافت بنجاح منقطع النظير بطولة كأس العالم للرجبي وبطولة كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم وغيرها من البطولات العالمية. وتوقعت حكومة جنوب أفريقيا بعض العوائد الاقتصادية من استضافة ذلك المونديال منها استحداث 150 ألف وظيفة جديدة للمواطنين والحفاظ على 368 ألف وظيفة أخرى، كما توقعت أن لا يقل دخل البلاد من تلك الاستضافة عن 7,6 مليار دولار أتي معظمها من إنفاق حوالي 490 ألف سائح ومشجع كرة أجنبي حضروا للبلاد خلال شهر الاستضافة.

وصحيح أن هذا المبلغ يزيد بأربعة أضعاف عمّا كان متوقعاً إنفاقه، وصحيح أنّه يبدو مبلغاً كبيراً بالنسبة لأي دولة أفريقية أخرى وصحيح أن إنفاقه تم في بلد يعاني من انتشار الفقر والإيدز ويتخطّى معدل البطالة فيه 24% من إجمالي القوة العاملة، إلا أن هذا المبلغ لم يشكل نسبة عالية من إجمالي الناتج الوطني لجنوب أفريقيا الذي بلغ 276,5 مليار دولار سنة 2008م كأكبر اقتصاد أفريقي منتج على الإطلاق. ورغم المشكلات الاقتصادية والصحية التي كانت تواجهها جنوب أفريقيا وقت الاستضافة، إلا أن مستقبل اقتصادها واعد جداً، فهو اقتصاد يتميز باستمرار النمو والتنوع والتوسع في قاعدته الإنتاجية منذ استسلام الأقلية العرقية البيضاء لإرادة الأغلبية السوداء، فلم تركن البلاد حتى تلك اللحظة على حقيقة أنها أكبر منتج في العالم للبلاتين والذهب والكروم، ولم تكتف كما اكتفت غيرها من الدول بتصدير موادها الأولية لتقتات على ريعها، بل ارتكزت على قاعدة صناعية متقدمة قويّة ومتنوعة انعكست على قوة قاعدتها التصديرية التي تشمل إعادة تصدير السيارات المجمعة والمنسوجات والأطعمة والمواد الكيميائية والسماد والأجهزة والمعدات الالكترونية والكهربائية وغيرها كثير من المنتجات الصناعية ذات الجودة المعتبرة عالمياً. وبعد أن كانت البلاد تكتفي قبل سقوط نظام الفصل العنصري بشركائها الاقتصاديين من الدول الغربية وفي مقدمتهم أمريكا وبريطانيا وألمانيا، أصبحت اليابان اليوم ضمن شركائها التجاريين العالميين وأصبح مالا يقل عن 27% من إجمالي صادراتها يتجه لشركاء آسيويين آخرين.



ولربما لم تضف تلك الاستضافة الكثير لاقتصاد جنوب أفريقيا ولم تعالج الفقر والإيدز وباقي الأمراض الاجتماعية والصحيّة حسب تصور الكثيرين، ولكنّ مثل هذه الاستضافة لم تنه مثل هذه المشاكل في أية دولة أخرى سبق أن حظيت بها، بما في ذلك الدول الغربية المتقدمة. ورغم ذلك فإن جميع دول العالم صغيرها قبل الكبير وفقيرها قبل الغني تبذل الغالي والنفيس وتسعى جاهدة لاستضافة النشاطات العالمية التي تضعها في قلب أحداث العالم وتعكس اعترافاً عالميا بحضارتها وتسلط الضوء على ثقافتها وقضاياها وتعزز موقفها وتسهم في تحسين صورتها وانطباع الناس عنها وتمنحها الفرصة للمشاركة في صنع الفعاليات الحضارية الإنسانية، وتعطيها، في حالة النجاح، شعاراً للفخر القومي والعزّة الوطنية.


ويجب ألا نغفل في النهاية أن أية استضافة لنشاطات رياضية كبيرة ينتج عنها العديد من المزايا غير المباشرة، ومنها بالنسبة لجنوب أفريقيا إشاعة الأمن في مدينة (جوهانسبيرغ) كبرى المدن التي اشتهرت بعصاباتها الإجرامية وارتفاع مستوى الجريمة فيها، فتتابع الفعاليات في مثل هذه المدينة مع تدعيم قوى الأمن بأعداد إضافية من الجنود وصل تعدادهم في اثناء المونديال إلى 55 ألف جندي إضافي يزيد من فرص العيش الكريم ويعزز الأمن مع مرور الزمن ويفتح آفاقاً ثقافية وحضارية متنوعة يمكن أن تنعكس بالتتابع على تطوير رأي عام محلي يساعد على الاستقرار وتحسين المواقف والأخلاق العامة للسكان المحليين.


ورغم أن تحسين سمعة مدينة جوهانسبيرغ العريقة وتحسين ظروف العيش فيها يعتبر، في حد ذاته، هدفاً من أسمى الأهداف الإنسانية والوطنية، إلا أنه يجب ألاّ نتجاهل أن ترسيخ بنية رياضية تحتية متقدمة في مختلف المدن الجنوب أفريقية انعكس بالتأكيد على مستقبل الأجيال، ومنح البلاد أفضلية واضحة في استضافة نشاطات رياضية وأفريقية عالمية كان وسيكون لها مردودات اقتصادية واجتماعية وحضارية مستمرة على مدى عقود قادمة.


الاثار الاقتصادية غير المباشرة من استضافة

الفعاليات الرياضية العالمية

أفادت تقديرات تأثير مونديال جنوب أفريقيا غير المباشرة على الاقتصاد البريطاني بخسارة اقتصادية محدودة نتيجة للهبوط في إنتاجية العمال والموظفين بسبب الانشغال بمشاهدة المباريات أثناء العمل ولكن هذه الخسارة تعادلها بل تمحوها حركة نشطة في قطاع الأعمال


لا شك بأن كافة الاقتصاديات العالمية تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بالمونديال وبكافة الفعاليات الرياضية العالمية الكبرى، ولكن مدى الاستفادة يختلف من دولة لأخرى بحسب موقعها الجغرافي من موقع الحدث وفوارق التوقيت والنفوذ السياسي على الدولة المضيفة. وفي هذه المقالة سأتحدث عن التأثيرات غير المباشرة على الدول البعيدة فالتأثيرات المباشرة على الدول المضيفة والقريبة والحاصلة على عقود مباشرة أشبعت بحثاً وتحليلاً وسبق أن تحدثنا عن بعضها في موقع اخر. ولكن التأثيرات غير المباشرة على الدول البعيدة هي ما سنناقشه في هذه المقالة.


ومع ان كثيراً من الدول لا تهتم بمثل هذه التأثيرات إلا أن بعض الدول المتقدمة تمنحها العناية الكافية بالدراسة بغرض تعظيم الاستفادة من الفعاليات الرياضية العالمية حتى وإن عقدت في أرض بعيدة، ومن هذه الدول بريطانيا التي تستحق الاحترام على ما تقوم به مراكز الدراسة فيها من جهود في جمع وتحليل بيانات السوق وتطوراته قبل وأثناء وبعد انعقاد تلك الفعاليات العالمية الكبرى.



ففي بيانات نقلها (كارل ويست) في مقالة نشرت يوم 13 يونيو ٢٠١٧م في جريدة (ميل أون لاين) عن محللي مركز بحوث الاقتصاد والأعمال البريطاني تقديرات لتأثيرات مونديال جنوب أفريقيا غير المباشرة، سواء بالسلب أو بالإيجاب على الاقتصاد البريطاني الكلي من خلال التأثيرات على قطاع الأعمال. حيث يتوقع أن يخسر الاقتصاد البريطاني ما مقداره (900) مليون جنيه استرليني نتيجة للهبوط في إنتاجية العمال والموظفين بسبب الانشغال بمشاهدة المباريات أثناء العمل. ولكن هذه الخسارة عادلتها بل محتها حركة نشطة في قطاع الأعمال انتجت ما لا يقل عن (1,6) مليار جنيه إسترليني خلال فترة انعقاد المونديال.

وهذه الأرقام –بحسب الكاتب- إيجابية جداً إذا ما قورنت بتأثيرات مونديال 2002م الذي عقد في الشرق الأقصى بسبب فارق التوقيت الكبير وكذلك بمونديال 2006م الذي عقد في ألمانيا وأنتج (1) مليار جنيه إسترليني للاقتصاد البريطاني.



أما بالنسبة لمونديال جنوب افريقيا، فقد كان فارق التوقيت بين جنوب أفريقيا وبريطانيا هو ساعة واحدة فقط، ورغم ذلك فقد فعل النفوذ الإنجليزي في تنظيم فعاليات المونديال فعله فتم ترحيل معظم المباريات الهامة ومنها مباراتين من مباريات المنتخب الإنجليزي إلى الساعة 8:30 مساءً لتقابلها الساعة 7:30 في بريطانيا وهو توقيت مسائي مثالي لمعظم البريطانيين لمتابعة المباريات في أوقاتهم الخاصة وليس على حساب الإنتاجية أثناء ساعات العمل.


ولكن من المستفيد من هذه الأموال التي ستتحرك في الاقتصاد نتيجة للمونديال؟ أول المستفيدين هم تجار المواد الكهربائية والالكترونية الذين ارتفعت مبيعاتهم بنسبة لا تقل عن 27%، أما شاشات التلفزيون المسطحة فقد ارتفعت مبيعاتها وحدها بما لا يقل عن 20%. ومن الرابحين أيضاً أصحاب البارات والمقاهي التي تعرض المباريات على شاشات كبيرة، وكذلك محلات السوبر ماركت التي تبيع الأطعمة والمشروبات والتسالي. ومن المستفيدين أيضاً تجار تجزئة الملابس وأدوات الرياضة والتذكارات، هذا بالإضافة إلى تزايد حركة النقل الجوي بسبب تزايد أعداد المشجعين الراغبين بالسفر إلى جنوب أفريقيا لتشجيع منتخبهم خاصة في ظل النجاح الأمني الواضح لجنوب أفريقيا في حماية الفعاليات والمشجعين الذين يتواجدون لحضورها.


وهكذا يمكن أن نرى أن بعض الدول المتقدمة لا تكتفي بمتابعة الأحداث الرياضية الكبرى عن بعد بل تحاول من خلال الدراسات المكثفة والإحصاءات الدقيقة التعرف على مواطن الربح والخسارة من جرّائها، فتبذل الجهود وتضع الخطط لتقليل الخسائر وتعظيم العائدات، ولا تتردد في استخدام نفوذها لدى الدول المضيفة في اختيار التوقيتات التي تتناسب مع ظروفها لتعظيم الاستفادة.


ويمكن أن نرى من خلال هذه الدراسات والإحصاءات أن الغرب لم ينشئ مراكز البحوث عبثاً ولا من قبيل الترف العلمي فهي تتدخل في كافة مجالات الحياة وتكثف جهودها لتحقيق الاستفادة الوطنية من أية فعاليات أو أحداث عالمية أو تطورات سياسية مهما بعدت في المسافة والتوقيت.


والحقيقة أن التعامل مع الدراسات والإحصاءات مفيد جداً متى ما توافرت، ولكن التساؤلات التي أطرحها الآن ولا أجد، ولن أجد لها إجابة، وسأدعها مفتوحة للقراء ليفكروا فيها هي: ما هو معيار الإنتاجية أو معاييرها في الدول الخليجية والعربية بصفة عامّة؟ وما هو مقدار الانخفاض في هذه الإنتاجية والخسارة المترتبة عليه بسبب انعقاد الفعاليات الرياضية والثقافية العالمية الجاذبة، خاصة منها تلك التي نشارك فيها بفريق أو أكثر، في أي بلد من البلدان؟ وعلى الجانب الآخر ما هو حجم العائدات غير المباشرة على اقتصادياتنا؟ وهل فكّرت أية دولة عربية في التأثير السياسي على أية دولة صديقة مستضيفة لأية فعاليات كبرى لاختيار أفضل التوقيتات ملائمة لشعبها؟


المردود الاقتصادي المباشر لاستضافة بريطانيا

للألعاب الأولمبية 2012


يجب عدم تجاهل موقع المنشئات الأولمبية الجديدة في شرق لندن. ذلك الجزء من المدينة الذي يشتمل على ستة أحياء طالما أرقت الحكومات البريطانية المتعاقبة بتقادمها وتسارع معدلات اهترائها بسبب الملوثات الصناعية التي حولت بعض أجزائها إلى مناطق ميتة كانت إلى ما قبل استكمال منشئات الدورة غير قابلة للحياة



احتدم الجدل في لندن على كافة المستويات بشأن المردود الاقتصادي للإنفاق الكبير على استضافة المدينة لدورة الألعاب الأولمبية 2012 ورديفتها دورة المعوقين الأولمبية.


ولقد لجأت بعض وسائل الإعلام البريطانية الواسعة الانتشار إلى عمل الاستفتاءات الشعبية لدعم نظرتها المؤيدة أو المعارضة لجدوى الانفاق الذي تضاعف بفعل التضخم إلى أكثر من أربعة أضعاف تقديراته الأولية ليتراوح فيما بين (15-20) مليار دولار. ولكن رغم تباين النتائج إلا أن معظم الاستفتاءات كانت تصبّ في مصلحة الاستضافة.


صحيح أن الأحزاب السياسية المناوئة لحزب المحافظين الحاكم كان يهمها أن تروج لفشل ذريع في تحقيق النتائج الاقتصادية المرجوة، وصحيح أن بعض أصحاب المصالح ومن بينهم ملاك العقارات والفنادق لم يتمكنوا من تحقيق أرباحهم المستهدفة بسبب مغالاتهم بالأسعار، وصحيح أن إنفاق المستهلكين سواء من السكان المحليين أو الزوار الأجانب لم يصل إلى المستويات المأمولة، ولكن كل هذه المؤثرات وقتية وقد تسهم في إحداث هزة إيجابية في الطلب الفعال ولكنها لا تقاس بالمردود الاقتصادي في المدى الطويل الذي يتوقع أن تحققه لندن كمدينة والمملكة المتحدة كدولة من استضافة الألعاب الأولمبية والذي يتخطى عمر الحكومة الحالية وأعمار الملايين ممن شاركوا فيها أو عاشوا فعالياتها أو تابعوها عبر الفضائيات في كافة بقاع الأرض ليمتد بتأثيره على مدى أجيال وأجيال. ولذلك كان صغار السنّ أشد حماسا من الكبار للدورة وجدواها في كافة استفتاءات الرأي.


وترتكز هزة الطلب التي رغبت الحكومة البريطانية في إحداثها بالإنفاق الحكومي الكبير في المدى القصير لانتشال الاقتصاد البريطاني من الكساد الذي يغوص فيه منذ 2011 وذلك من خلال استضافة الدورة على نظرية اقتصادية معروفة وضع أساسها الاقتصادي الإنجليزي الشهير كينز Keynes وتبناها من بعده تلامذة مدرسته المعروفين باسم الكينزيين المحدثين Post – Keynesians أو الدعاة إلى التنمية من جانب الطلب Demand Side Growth Advocatesوفحواها أن النمو في الاقتصاد ، أي اقتصاد حر ينتج عن هزة أو خلل Distortion في نظام السوق . وفي ظل نظرية الكنزيين المحدثين يجب النظر للإنفاق الحكومي في المدى القصير وكأنه مولد كهرباء احتياطي خارج عن الشبكة العامة ولكنه موصل بها ليعمل تلقائيا عند انقطاع التيار، ويكون في هذه الحالة بمثابة القوة الدافعة أو المحركة أو أنه يعمل عند ضعف التيار ونزوله تحت مستوى معين ويكون في هذه الحالة بمثابة القوة المحفزة أو المنشطة.


أما في المدى الطويل فيجب التأكد من اشتمال السياسات الاقتصادية المطبقة على أدوات تشغيل ذاتي قابلة للاستمرار والحياة بقوتها المتجددة. وفي هذا الاتجاه يجب عدم تجاهل موقع المنشئات الأولمبية الجديدة في شرق لندن. ذلك الجزء من المدينة الذي يشتمل على ستة أحياء طالما أرقت الحكومات البريطانية المتعاقبة بتقادمها وتسارع معدلات اهترائها بسبب الملوثات الصناعية التي حولت بعض أجزائها إلى مناطق ميتة كانت إلى ما قبل استكمال منشئات الدورة غير قابلة للحياة. ويعتبر الانفاق الحكومي على شرق لندن لبث الحياة فيها وفي ما شابهها من أحياء في مدن أخرى، استمراراً لسياسات قديمة بدأت منذ سنة 1976 بتحويلها إلى مناطق أعمال – Enterprise zones بحسب رؤية البروفيسور الإنجليزي بيتر هول Peter Hall لتطوير الأحياء العشوائية والمتقادمة. ولقد تصور هول منطقة الأعمال كبقعة جغرافية تزاح منها الضرائب والأعباء المالية والقيود التنظيمية التي يمكن إزاحتها عن كاهل المستثمرين بغرض تحفيز Stimulate النمو الاقتصادي في تلك البقعة.


ولذلك صممت ميزانية الدورة بحيث يوجه (75) بنساً من كل (جنيه) يصرف عليها على إعادة بث الحياة في شرايين تلك المنطقة المستضيفة لمنشئاتها. وعلى سبيل المثال فإن (القرية الأولمبية) والمرافق الرياضية أقيمت على أرض كانت يوماً ما ملوثة تلويثا صناعيا قضى على كافة أشكال الحياة والعمران فيها. وتضمنت إعادة إحيائها إعادة إحياء للحياة الفطرية ومشروعات رئيسية للسيطرة على الفيضانات النهرية. أما الاستاد الأولمبي الرئيسي فقد تم استكمال معظم هياكل بنائه من أنابيب غاز قديمة معاد تدويرها ليصبح أخف المجمعات الأولمبية وزنا واشدها صلابة في التاريخ. وهو المجمع الأول من نوعه الذي التزم بإيصال حجم مخلفاته الإنشائية إلى الصفر وذلك بتدوير 98% من مخلفات مرحلة الإزالة والتسوية و 99% في مرحلة الإنشاء. ليس هذا فحسب ولكن مجمع لندن الأولمبي الحديث هو الأول في التاريخ الذي تم فيه قياس (البصمة الكربونية) في مختلف مراحل المشروع.


أما على مستوى المدينة فقد تم صرف (6,5) مليون جنيه على تطوير وتحسين شبكة مواصلات لندن لاستيعاب حركة (11) مليون زائر إضافة إلى سكان المدينة المقيمين.



وبالطبع فإن الآثار الاقتصادية الدائمة لهذا الإنفاق على شرق لندن وعلى بريطانيا ككل لن تتضح الان ولكنها تحتاج إلى وقت أطول للحكم عليها ولكن من تجارب سابقة قدّرت سلطات ولاية يوتاه الأمريكية الأرباح التي عادت على مدينة (سولت ليك) من استضافة الألعاب الأولمبية الشتوية سنة 2002 بـ100 مليون دولار، وبلغت مبيعات الدورة حينها 4,8 مليار دولار، ووفرت 35 ألف وظيفة مساندة حققت للعاملين دخلاً وصل إلى 1,5 مليار دولار. ولكن منذ ذلك العام ازداد حجم سياحة التزلج في المدينة بمقدار 42% وازداد حجم الإنفاق السياحي لهذه الفئة بمقدار 67% من 704 مليون دولار سنة 2002-03 إلى 1,2 مليار دولار في 2010-11. وبذلك تحولت مدينة (سولت ليك) بمنشئاتها الأولمبية إلى العاصمة الأولى للرياضة الشتوية في الولايات المتحدة.



وبهذا أصبحت لندن أنموذجاً عالمياً يحتذى في توظيف الإنفاق الرياضي وتوطين المنشئات الرياضية للتنمية الاقتصادية المستدامة التي تنعكس بلا شك على توفير الظروف المعيشية المناسبة للسكان في المناطق التي تعاني من عجز في مواردها وإمكانياتها التنموية. ولقد بدأت بشائر مثل هذا النجاح تظهر مبكراً في نفس عام انعقاد المونديال ٢٠١٢م في توفير 1500 وظيفة ثابتة لإدارة وصيانة المنشئات الرياضية للعاطلين من سكان أحياء شرق لندن، ومن خلال انخفاض معدلات البطالة على المستوى الوطني، ومن خلال ارتفاع مؤشر أسعار العقارات في لندن بما فيها الجزء الشرقي لأول مرة على مدى أربع سنوات..


يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page